الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢١٦

وفي المقابل أيضاً جعله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - متصفاً بصفات شتى تدل على نقصه وتشي(1) بضعفه وعجزه ، فضرورة الإنسان أشد من ضرورات غيره ، إذ كل كائن آخر من هذه الكائنات التي نراها لا يضطر بقدر ما يضطر الإنسان إلى الرعاية وإلى ضرورات الحياة الأخرى ، فقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حياة الإنسان حياة عجيبة من نوعها ، فهو محتاج إلى كل ما في هذا الكون ، كما أنه محتاج الحاجة البالغة من بني جنسه ، وإن كانت هذه الحاجة أمراً مشتركاً بينه وبين غيره ، إلا أن نصيبه منها أوفر، فنجد أن الكائنات الحية الأخرى حاجتها إلى الرعاية لا تعدو حاجة نسبية محدودة، أما حاجة الإنسان إليها فهي حاجة مطلقة لا تقف عند حد معين ، فلا يكاد الإنسان يستغني في أي حال عن بني جنسه ، وأما الحيوان فيمكنه أن يعيش بعيداً عن بني جنسه ، فكم تجد فرداً من جنس الحيوانات منقطعاً عن غيره ، أو يعيش مع الإنسان مسخراً له ، ومع ذلك تكون عيشته طبيعية ليس فيها شيء من النكد والتعب كما لو انقطع الإنسان عن بني جنسه ، ويبرز الفرق بين الإنسان والحيوان في هذا أنك تجد الإنسان في مرحلة الطفولة أحوج ما يكون إلى الرعاية ، فهو بحاجة بالغة إلى رعاية فائقة من قبل أمه وأبيه وأسرته ، ذلك لأن الطفل البشري يكون عندما يولد أكثر جهلاً وأعظم عجزاً عن القيام بمصالحه وضروراته ، فهو لا يفقه شيئاً قط كما يقول - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً "(2) ، ولا يدرك كيف يتصرف ، لو لم تكن أمه ترعاه وتُلقمه ثديها لما أمكنه أن يلتقم الثدي بنفسه ليحيى نفسه بما جعل الله فيه من اللبن ، بخلاف المولود من جنس الحيوانات الأخرى فإنه يهتدي إلى التقام الثدي بنفسه ، والطفل يعيش أيضاً فترة أطول عاجزاً عن الحركة ، وإنما قصارى ما يستطيعه هو أن يحرك يديه ورجليه تحريكاً

(1) تشي: تظهر وتكشف.

(2) الآية رقم ( 78 ) من سورة ( النحل ) .

٢١٦ / ٣٩٩