الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

وقد ذكرنا؛ أن الذكر من الأجناس الحيوانية قليلاً ما يكون معنياً برعاية الأولاد، بخلاف الجنس البشري فإن الأم تجد نفسها مضطرة اضطراراً بالغاً إلى عون الأب لها في رعاية الأولاد والوقوف بجانبها في تربيتهم ، حتى ينشأوا نشأة طبيعية ، فالأم تشتغل بالرعاية التي تنسجم مع فطرتها ، فهي مكلفة بحضانة الأولاد وإرضاعهم وتربيتهم ، أما توفير ما يحتاجون إليه من النفقة فهو من مسئولية الأب، لأن ذلك هو الذي ينسجم مع فطرته وقدراته، فكل واحد منهما مطالب بما هو أهل له وجدير بأن يقوم به من مصالح الطفل، كذلك الرباط الذي يشد الفرد إلى الأسرة، ويشد الأسرة إلى الفرد ، جعله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - رباطاً فطرياً ، فإن التلاحم والتراحم بين ذوي القربى أمر فطري ، فتشد كل قريب إلى قريبه علاقته به شداً عجيباً بتأثير وشيجة(1) القربى بينهما ، حتى تمتزج مشاعرهما وتتوحد أحاسيسهما كأنما كل واحد منهما نسخة من الآخر ، وهو مما يدفع بالأسر إلى التعاون على الخير والتفاني في عمل ذلك ، وذلك من عوامل الترابط بين المجتمع، فالأسرة هي مجتمع صغير، والمجتمع هو أسرة كبيرة، والترابط الأسري هو اللبنة التي تؤدي إلى الترابط الاجتماعي، أو ما يسمى بالترابط القومي بين الناس ، فإنها عندما تكون مترابطة متلاحمة ينعكس ترابطها على مجتمعها فيغد مجتمعاً متلاحماً متراحماً قوياً.

والمعاملات على اختلافها ؛ جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الناس متفاضلين في قدراتهم عليها ، والإنسان لا يستقل بمصالحه ، بل جعلها الله متشابكة متداخلة مترابطة، فالغني محتاج إلى الفقير والفقير محتاج إلى الغني ، والحاكم محتاج إلى المحكوم والمحكوم محتاج إلى الحاكم ، والقوي محتاج إلى الضعيف والضعيف محتاج إلى القوي، والعالم محتاج إلى الجاهل والجاهل محتاج إلى العالم ، كما يقول الشاعر التهامي:

ولربما اعتضد الحليم بجاهل

(1) الوشج: التداخل والاختلاط.

٢٢٠ / ٣٩٩