الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

راعى الإسلام النواحي الفطرية بين الناس، فجعل الحقوق التي بين الأصول والفروع أعظم الحقوق، فحقوق الأبوين تفوق جميع الحقوق لقيامهم بتربية أولادهم وتضحياتهم الجسيمة من أجل مصالحهم، كما هو واضح لمن تدبر القرآن الكريم ، إذ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً"(1)، ويقول : "ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كُرهاً ووضعته كُرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا "(2)، ويقول : " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير"(3) ، كل ذلك لأجل تقوية داعي الارتباط بين الأولاد والآباء والأمهات.

ولئن كان القرآن الكريم أكد حقوق الوالدين ووصى بهما الأولاد في مواقف متعددة، فإنه وَكِلَ مراعاة حقوق الأولاد إلى الفطرة كذلك، نجد أنه لم يوص بها صراحةً مثلما أوصى بحقوق الآباء والأمهات، لأن الفطرة تدفع الإنسان السوي إلى أن يرعى حقوق أولاده، إذ يرى وجودهم امتداداً لوجوده، فهو يحس دائماً بالميل إليهم(4)، لأن من شأن الإنسان أن ينظر إلى الأمام ولا ينظر إلى الخلف ، فلذلك يحتاج إلى أن يُلفت نحو والديه بقوارع الزواجر عن الإخلال بحقهما ، إذ لو لم يُلفت إليهما لم يلتفت بنفسه ، وذلك بخلاف الأولاد فهو لا يحتاج إلى التوصية بهم إذ هاجس الفطرة في نفسه يوقظ فيها مشاعر الأبوة الحانية أو الأمومة الدائمة تجاههم.

(1) الآية رقم ( 23 ) من سورة ( الإسراء ) .

(2) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( الأحقاف ) .

(3) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( لقمان ) .

(4) وهذا ما يؤكد نظرية التكامل بين الوحي والفطرة التي صرح بها سماحته في مواضع عدة من دروسه المسموعة والمكتوبة.

٢٢٨ / ٣٩٩