الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

وحديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء صريحاً في التنبيه على عظم حق الأم ، وذلك عندما جاء إليه رجل ؛ كما جاء في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم وقال له: "يا رسول الله ؛ أي الناس أحق بحسن صحابتي ؟ قال له : أمك . قال له : ثم من؟ قال له : أمك . قال له : ثم من ؟ ، قال له : أمك . قال له : ثم من ؟ ، قال له : أبوك ثم الأقرب فالأقرب "(1) .

فذكر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حق الأم ثلاث مرات، ثم عطف عليه حق الأب بثم التي تقتضي المهلة والترتيب ، وذكره مرة واحدة ، ثم عطف عليه حق الأقرب فالأقرب من الناس ، أي الأجداد والجدات من قبل الأب والأم ، ثم الأعمام والعمات والأخوال والخالات ، وكذلك الأخوة ، وهكذا الأقرب فالأقرب من الناس تجب لهم الحقوق والرعاية وحسن الصحبة.

فذكر حق الأم ثلاث مرات، وعطف حق الأب عليه مع ذكره مرة واحدة بثم التي تقتضي المهلة والترتيب ؛ دليل على أن حقها هو أعظم من حق الأب لما قامت به من رعاية فائقة وتربية لا يمكن لأحد أن يتصور أتعابها ومشاقها إلا من كابد مثلها ، فلذلك كان حقها مضاعفاً على حق الأب.

وقد اختلف العلماء في أصل هذا التفاوت ، فأكثرهم ذهب إلى أن حق الأم أعظم ، كما قلنا ، إلا أنهم أيضاً اختلفوا ، منهم من قال : حق الأب ربع مجموع حقوقهما معاً. وحق الأم الثلاثة الأرباع ، دليل ذلك أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر حق الأم ثلاث مرات وحق الأب مرة واحدة ، وهذا قول ظاهر دليله.

وقيل : بل للأم ثلثا الحق وللأب الثلث ، ومنهم من قال : بل هما متساويان في الحقوق ، لأن الله تعالى وصى بحقيهما جميعاً ، وهؤلاء لم يلتفتوا إلى ما جاء من تمييز الأم في القرآن بذكر تضحياتها التي قدمتها من غير ذكر تضحيات الأب ، ولم يلتفتوا أيضاً إلى ما جاء في هذه الرواية.

(1) سبق تخريجه .

٢٤٠ / ٣٩٩