الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٤١ومنهم من قال : بأن حق الأب يفوق حق الأم ، وهذا قول أشبه بالشاذ إذ لا دليل عليه ، وكل ما استدل به هؤلاء يدور حول ما للأب من حقوق الرعاية للولد ، فهو الذي يرعاه ، ويقوم بمصلحته ، ويردعه عن الفساد ، ويتحمل تبعاته، ويلي تزويج الأنثى ، إلى غير ذلك.
فهذه الأشياء هي التي استدل بها القائلون بهذا الرأي، لكن ذلك لا دليل فيه، إذ لا يصار إلى النظر مع الأثر، كما قيل: لا حظ للنظر مع الأثر(1)، وقد جاء الحديث واضحاً صريحاً بتفوق حق الأم، بل جاءت الإشارة في القرآن الكريم دالة على ذلك، وما ذكروه ليس فيه مشقة على الأب كمشقة الأم التي تتحملها في حملها للولد ووضعها له، فإذن يتبين لنا رجحان قول من قال بأن حق الأم هو أعظم من حق الأب.
وإذا ما أردنا القياس وتقدير ما لكل منهما من حق في مجموع حقوقهما ، نجد أن قول الذي يقول بأن حق الأم ثلاثة أرباع مجموع هذه الحقوق وحق الأب الربع هو أولى بالاعتبار؛ لأجل دلالة القرآن الكريم على ما لها من مزايا مع نص الحديث بأنها أحق بحسن الصحبة.
ومن العلماء من قال بأن تقدير الحقوق ليس مرده إلينا ، إلا أن حق الأم أولى بأن يرعى مع عدم التفريط في حق الأب ، فعلى الإنسان أن يُرضي كلا والديه ، وعندما يكون رضاهما جميعاً متعسراً ، فإيثار رضى الأم أولى ، وقد أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندما يدعو الولد أبوه وأمه بأن يلبي نداء أمه، "إذا ناداك أبوك وأمك فأجب أمك "(2) ، هكذا جاء في بعض الروايات عنه صلوات الله وسلامه عليه ، وهو أيضاً دليل على تفوق الأم في الحقوق.
4- شمول حقوق الوالدين وحدودهما:
(1) قلت: بل في الحقيقة أن النظر والأثر هنا متساوقان في تعظيم حق الأم على حق الأب، ومن يرى العكس فنظره مرجوح بالنظر الأقوى المجرد فضلاً عن ورود الأثر المدعم لهذا النظر الأقوى، وهذا ما يدل عليه تعقيب سماحة شيخنا بعد ذلك.
(2) جامع المسانيد والمراسيل للسيوطي (2553).