الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥وقال العلماء بأن من حق الوالدين على ولدهما ألا يخاطبهما بأسمائهما أو كناهما كما يخاطب سائر الناس ، وإنما يخاطبهما بصفة الأبوة والأمومة ، وأما من فعل خلاف ذلك أو نهرهما أو أغلظ لهما القول أو جفاهما بأي شيء كان ذلك عقوقاً لهما، وكذلك عندما يكون الإنسان في حالة مشي يؤمر ألا يمشي أمام والده إلا إذا كان لدرء المضرة ، ولذلك كانوا يقولون بأن من بر الولد أن يمشي في النهار خلف والده وبالليل أمامه ، وهذا عندما يكون الليل مخوفاً منه بشيء من المحذور ، أما مع الأمن فالنهار والليل سواء إذ لا فرق فلا يسوغ له المشي بين يديه ، وكذلك عندما يخشى في حالة النهار محذوراً يؤمر الولد أن يقي والده المحذور بنفسه ، كذلك عندما يأمره والداه بفعل مباح فإنه لا مناص له عن فعله وعليه أن يطيعهما، كما أن عليه أن يطيعهما في الواجب والمندوب إليه ، أما المكروه فله أن يطيعهما فيه وألا يطيعهما، والمحرم ليس له أن يطيعهما فيه ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا لأن حق الله تعالى هو أعظم الحقوق ، وفي معصيته تعالى انتهاك لحرمة حقوقه ، فلو أن إنساناً دعاه والداه إلى ترك فريضة واجبة عليه أو ارتكاب شيء من محارم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لما كان له أن يطيعهما في ذلك ، فلا طاعة لأي أحد في معصية الله، والأصل في ذلك قوله : ?وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ?(1) ، فإن المعاصي في ذلك ملحقة بالإشراك ، فقد فقامت الأدلة الكثيرة على عدم جواز طاعة أي أحد في معصية الله، ومن أجل ذلك قال العلماء بأن الولد عندما يريد جهاداً غير متعين عليه أن يستأذن أبويه ، فإن أذنا له جاهد ، وإن لم يأذنا بقي عندهما ، هذا رأي أكثر العلماء ، ومنهم من قال : إن كان الجهاد لا يضرهما فلا عليه في أن يجاهد وإن لم يأذنا ، وإنما عليه أن يستأذن ويتلطف في
(1) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( لقمان ) .