الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٦

إن الإيمان ليس أمراً مثالياً يعيش في عالم النظريات ولا يتجلى في عالم الواقع ، بل هو أمر واقعي يتجلى في سلوك المؤمن ، فلذلك ذكره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مع العمل الصالح، والعمل الصالح هو ما أمر به - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فتحديد الصالح من الطالح، والخير من الشر، والنافع من الضار، يعود إلى أوامر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ونواهيه، فكل ما وافق أمره سبحانه فهو صالح، وكل ما خالفه فهو طالح، ولا دخل لعقل البشر في ذلك، فإن العقول تتأثر بالمؤثرات النفسية والاجتماعية(1)، ولكن المؤمن الذي رضي بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن منهجاً وطريقاً وبمُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هادياً ودليلاً ، يستعلي على كل هذه المؤثرات ويستعلي على نزعات نفسه ونزغاتها، فلذلك يسير في الدرب السليم مهما كان تصادمه مع الواقع، أو تنكر له مجتمعه وبيئته ، لأنه يرى رضوان الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فوق كل اعتبار ، والله أولى بأن يُطاع "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً"(2)، ولذلك عندما أكرم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الإنسانية بإخراجها من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل إلى الحق ، ومن الغي إلى الرشد ، ومن الفساد إلى الصلاح ، ومن الخطر إلى السلامة ، إذ بعث فيها نبياً كريماً ، وأنزل عليها ذكراً حكيماً ، نجد هؤلاء المؤمنين والمؤمنات في ذلك العصر استعلوا على هذه النوازع والمؤثرات بأسرها ، فكان المؤمن والمؤمنة يخرجان عن الطريق المألوف إلى طريق لم يكن مألوفاً في البيئة التي نشئا فيها ، والمثال الواضح الذي يدل على هذا ما ذكرته

(1) بيّن سماحته أين يقع العقل من التشريع في مواضع مختلفة من هذا الكتاب؛ فلابد من الرجوع إليها، فيجب حمل هذا على ذاك، وذاك على هذا.

(2) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( الأحزاب ) .

٢٦ / ٣٩٩