الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥وفي حديث أخرجه الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم مجنة في الأهل ، ومسراة للمال ، ومنسأة في الأثر " ، ومعنى كون صلة الرحم مجنة في الأهل أن الإنسان عندما يصل رحمه يأمن غائلته(1)، لأن قلب ذلك الرحم الموصول يبقى مشدوداً إليه ، فتتعاطف القلوب وينبجس(2) منها التراحم فينشأ عنه التلاحم فيما بينهم ، فتزول أسباب القطيعة وتتلاشى بواعث الإظغان ، فيكون كل واحد منهم حامياً حمى الآخر ، ولا ريب أن ذلك جُنة لهم من الفتنة التي تقع بين الأهلين والأقارب، وتمتد ألسنة ضرامها إلى المجتمع كله عندما تستوقد نارها ، كذلك جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - صلة الرحم مسراة في المال فإنه تعالى ينميه ببركة ما يكون بين الأرحام من عطف بعضهم على بعض ، وصلة بعضهم لبعض ، ويجعل الله تعالى أيضاً ذلك منسأة في الأثر ، وذلك بما يجعله من بركة في أعمارهم وأعمالهم وذريتهم، فتمتد بذلك آثارهم، ذلك كله ببركة الصلة التي تكون بين الأرحام ، بل جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن الصدقة التي يتصدقها الإنسان على ذي رحمه يكون أجرها مضاعفاً ضعفين ، إذ تجمع بين ثواب الصدقة على المسكين والصلة لذي القربى ، فقد أخرج النسائي من رواية سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : "الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة" ، كما يدل على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود من رواية أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة لها ، ولم تستأذن في ذلك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما كان اليوم الذي فيه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معها قالت له: يا
(1) الغائلة: الداهية.
(2) ينبجس: ينبع بشدة.