الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

ومن تعمق الإسلام في مراعاة حقوق الجيران أن الجار يؤمر أن يقضي مصلحة جاره ولو كان ذلك مما يسبب له شيئاً من الإحراج بحيث يتبادر له أن في هذا القضاء مضرة عليه ، وذلك واضح في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره، فإن ذلك حق واجب عليه"(1) ، أي إن كان أحد الجيران يريد أن يقيم بناءً يتوقف على غرز خشبته في جدار أخيه فليس للجار صاحب الجدار أن يمنعه من ذلك ، وهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم ، فذهبت طائفة إلى أن ذلك حق واجب ، وأنه يُقضى به، وهذا القول مروى عن الإمام الشافعي في أحد قوليه وعن أحمد بن حنبل وجماعة أهل الحديث، بل روي ما يدل عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما اعترض مُحَمَّد بن مسلمة أن يجري جاره ربيعاً في أرضه ، فقال له عمر رضي الله عنه: والله ليجرينه ولو على بطنك. ومعنى ذلك أنه أراد أن يجري ساقية في أرضه فمنعه ، ولكن عمر رضي الله عنه اشتد عليه في ذلك ، وهناك قول آخر هو أن هذا من باب المرافقة بين الجيران ، وأنه لو امتنع لا يُلزم ، وهذا القول مروي عن الإمام مالك بن أنس والإمام أبي حنيفة ، وقد عجب الإمام الشافعي من رأي الإمام مالك مع أنه هو الذي أخرج في الموطأ قصة مُحَمَّد بن مسلمة وجاره وما كان من تشدد عمر رضي الله عنه عليه في ذلك ، وهذا يدل على أن العمل بذلك قد استقر بين أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكيف عدل مالك عن الأخذ بذلك ، وأجاب ابن عبد البر عن هذا بأن الإمام مالكاً له سلف في ذلك وهو مُحَمَّد بن مسلمة ، فرأي عمر رضي الله عنه لم يجمع عليه، وما حصل من خلاف بين الجارين يدل على اختلاف الصحابة في حكم هذه المسألة.

(1) الربيع (366).

٢٩٨ / ٣٩٩