الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩وذهب أصحابنا رضي الله عنهم إلى أنه حق واجب ولكن لا يحكم به قضاء ، وأنا أعجب من هذا الرأي، كيف هو حق واجب ولا يقضى به؟ والحديث حسب رواية الإمام الربيع رحمه الله يدل على الوجوب "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فإن ذلك حق واجب عليه"، هذا فإن الحديث صريح كما نراه بأنه ليس هذا من باب المرافقة فقط بل هو حق واجب على الجار للجار ، وبما أنه كذلك فعندما يمتنع الجار من موافقة جاره على حقه الشرعي ينتزع منه كرهاً ويحكم به لجاره ، فهل شرعت الأحكام وسن القضاء إلا لإيتاء كل ذي حقٍ حقه؟.
ونجد أن الفقهاء عوّلوا على هذا الحديث واستطردوا في كثير من الأحكام القريبة من هذا الباب ، وذلك من باب القياس الجلي ، فمن ذلك قول جماعة من الفقهاء أن الجار إن بنى واستفرغ أرضه التي له بحيث لم يترك حريماً منها بينه وبين جاره فإن لجاره أن يلصق جداره بجداره ، وليس عليه أن يترك حريماً بينهما ، ومن ذلك أيضاً ما قالوه من إقامة السجال للنخيل في أرض الجار عندما تكون نخلة مائلة ويخشى أن تسقط، فلا مانع أن تسند بعمود خشبي أو بأي شيء كان ؛ من جذوع النخل أو غيرها ، ويغرز ذلك في أرض الجار إن دعت الحاجة إليه حتى لا تسقط ، هذا من باب الأخذ بما دلت عليه هذه الرواية ، وهذا كله من القياس الجلي كما قلت ، فإن جميع هذه الأحكام روعي فيها ضرورة التوسع بين الجيران في مصالحهم ولو بدا لبعضهم أنه يتضرر بذلك، على أن هذا الذي ذكروه ليس بأشد من غرز خشبة في جدار ، وكذلك ما قالوه من أن الجار إن كان مضطراً إلى طريق في أرض جاره ولم يجد مناصاً من ذلك فله الحق في التطرق في أرضه ، وإن كانت محصنة فيخرج له بمقدار حاجته على أن يكون ذلك بثمن ، وهذا كله يدل على أن العلماء عولوا على هذا الحديث كثيراً في أحكام المصالح بين الجيران.
4- حدود الجوار: