الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٠١والناس عندما كانوا قائمين بها موفين بما يمكنهم أن يوفوا به منها كانت حياتهم حياة هناء واستقرار ، وكان غير المسلم يجد في بلاد الإسلام الرعاية وحسن الجوار ، ولكن المدنية الحديثة غزت هذه الأمة وشغلتهم بالماديات عن المعنويات ، فتشاغلوا عن كثير من هذه الحقوق ، وهذه مصيبة مشتركة بين الأمة خصوصاً في المدن حيث تزخر الحياة بالماديات ويعنى أهلها بمظاهرها ، وتحضرني كلمات قالها أستاذ الأدب أحمد أمين في كتابه " حياتي " عندما وصف بداية حياته ونشأته ، فقد ذكر أنه نشأ في حارة من حارات القاهرة بها سور له باب ، فيه فتحة تغلق وقت المخاوف وتفتح للداخل والخارج من أهلها ، وكانت الحارة تشتمل على ثلاثين بيتاً سكانها متفاوتون، فيهم من يعد من الطبقة العليا وذلك في بيت واحد ، وكان صاحب هذا البيت شيخاً تركياً له وفرة في المال ، وعنده الكثير من الخدم ، والطبقة الوسطى تتمثل في تسعة بيوت من بينها البيت الذي نشأ فيه الكاتب ؛ أي بيت أبيه وأسرته، وطبقة دنيا تتمثل في عشرين بيتاً من سائر البيوت ، ويذكر أنه مع هذا التفاوت من حيث نمط المعيشة والطبقية بين هذه البيوت إلا أن سكان هذه الحارة كانوا بأسرهم كأسرة واحدة ، فعندما يمرض طفل في أي بيت من هذه البيوت يعرف مرضه جميع أهل الحارة ، فيتسابقون إلى عيادته ، منهم من يحمل إليه هدية، ومنهم من يحمل إليه دواء ، كلٌ بحسب قدراته وما عنده من الوفر ، ثم قال بعد ذلك : ولقد شاء الله تعالى أن يستمر بي العمر حتى وجدت أهل عمارة واحدة يسكنون في شقق متجاورة ولا يعرف بعضهم بعضاً.