الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٣١٨

وحديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدل على أن المتقين دائماً على حذر ، فالمتقي لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يتجنب كل ما عسى أن يكون سبباً في زلته وعثرته ، ولذلك يدع ما لا بأس به خشية الوقوع فيما به بأس ، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد بن حنبل وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه ، والترمذي وحسّنه ، والحاكم وصحّحه، وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان ، وابن أبي حاتم عن عطية السعدي قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يبلغ امرؤ أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس " ، فحقيقة التقوى لا يصلها إنسان إلا عندما يتصف بهذه الصفة ، حيث يبلغ به حذره أن يترك بعض الأشياء التي لا بأس بها حذراً من الوقوع فيما به بأس لا سيما ما يلابسه فيه الاشتباه ، ذلك لأن على الإنسان دائماً أن يتقي الشبهات ، فإن النفس جذابة إلى الهوى ، فلو أرخى لها العنان حتى دخلت في الشبهات لم تلبث أن تدفع به إلى حدود المحارم ، فيقع في محارم الله ، كما يدل على ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه البخاري ومسلم ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " ، فإذن تقوى الله تعالى إنما تحصل لمن ضبط جميع جوارحه عن معصية الله ؛ بحيث يضبط لسانه ويديه وأذنيه وعينيه ومنخريه ، وكل جوارحه الظاهرة والباطنة حتى لا تقع في مقارفة شيء من معاصي الله سبحانه ، ويدل على أن التقوى تنبعث من القلوب قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -:

٣١٨ / ٣٩٩