الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣١٩"أولئك الذين امتحن الله قلوبهم بالتقوى "(1) ، ويدل على ذلك أيضاً قول رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا "(2)، وهو في كل ذلك يشير إلى قلبه صلوات الله وسلامه عليه ، وليست هذه الإشارة كما يتصور كثير من عوام الناس أن المراد أن يطهر الإنسان نفسه من رجس سريرتها وأنه لا بأس عليه إن قارف بجوارحه محارم الله ، فهذا –حسب تصورهم– لا ينافي الاتصاف بالتقوى ، لأن التقوى في القلوب ، ولذلك يقولون المعول على ما في القلوب ، فلا يتورع أحدهم أن يقع في المحاذير الشرعية كالنظر إلى المحرمات والاستماع إلى الممنوعات بدعوى أن قلبه طاهر ، وأن الله تعالى لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب ، وهؤلاء كاذبون ، فإنهم لو صلحت قلوبهم لصلحت أعمالهم ، ولو استقامت سريرتهم لاستقامت علانيتهم ، ولو صفت بواطنهم لما تكدرت ظواهرهم ، وإنما ساءت أعمالهم لخراب طواياهم ، فلو كانت قلوبهم عامرة بالإيمان لازدانت جوارحهم بالأعمال الصالحة وألسنتهم بالأقوال الطيبة ، ويدل على هذا أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " ، فصلاح الجسد بصلاح القلب ، وفساده بفساده، ولذلك قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا "، ومما يدل على أن الأقوال أيضاً تدخل في مفهوم التقوى ومدلولها
(1) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) مسلم (6493)، وجاء عند مسند الإمام الربيع بألفاظ أخرى منها: (774) وسئل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوماً عن الإيمان، وكان متقنعاً بردائه فطرح رداءه عن رأسه، ثم ضرب بيده على صدره، وقال: "الإيمان هاهنا، الإيمان في القلب"، (775) وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما آمن من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه).