الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠قول الله تعالى : "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها"(1).
4- مفهوم التقوى عند السلف:
عندما نعود إلى ما قاله السلف في معنى التقوى نجد أن ما ذهبوا إليه لا يختلف عن هذا الذي ذكرناه ، فهم يصدرون عن هذا المنبع نفسه ، ويقتبسون من هذا النور ؛ ولذلك كان كلامهم متوائماً مع ما جاءت به دلالات القرآن وسنة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على حقيقة التقوى ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن وصف المتقين في قول الله تعالى : "هدى للمتقين"(2) فقال: يعني الذين يخشون عقابه بفعل ما نهاهم عنه ويرجون ثوابه بفعل ما أمرهم به. وجاء عن أبي الدرداء بأن معنى التقوى أن يتجنب الإنسان كل ما يؤدي به إلى سخط الله، حتى يتجنب مثقال ذرة ، فيترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، فيجعل بينه وبين الحرام حاجزاً ، كذلك روى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سئل عن التقوى فقال لسائله: " هل رأيت طريقاً ذا شوك ؟ قال له : نعم . قال له : ماذا فعلت ؟ قال : اتقيت الشوك ، قصّرت عنه ، أو تجاوزته ، أو مشيت جانباً عنه . فقاله له أبو هريرة : ذاك التقوى " ، وكذلك جاء نحو هذا فيما ذكر القرطبي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل أبياً رضي الله عنه عن معنى التقوى فقال له أبي : "هل سلكت طريقاً ذا شوك ؟ قال له : نعم . فقاله له : ماذا فعلت ؟ فقاله له : تشمرت وحذرت. قال له : فذاك التقوى " . وقد نظم هذا المعنى ابن المعتز عندما قال:
خلّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
وافعل كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
(1) الآية رقم ( 26 ) من سورة ( الفتح ) .
(2) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( البقرة ) .