الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٢١وجاء عن عمر بن عبد العزيز في بعض الروايات أنه قال : معنى التقوى أن يتجنب الإنسان ما حرّم الله عليه ، وأن يفعل ما أمره به . وجاء عن بعض السلف أن معنى التقوى أن تترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس ، وهذا يتفق مع حديث عطية السعدي رضي الله عنه، وقال بعضهم : لا يصل الإنسان إلى سنام التقوى حتى يكون ما في قرارة نفسه لو أخرج في طبق وطيف به في السوق لما استحيا منه ، وسئل بعضهم عن معنى التقوى فقال : أن تزيّن سريرتك للحق كما تزين علانيتك للخلق.
وهكذا نجد تفاسير السلف لحقيقة التقوى تدل على أن المراد بها استجماع كل خير، وترك كل شر ، والحذر من كل ما ينتهي بالإنسان إلى سخط الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولكن اختلفت عباراتهم مع اتحاد المعنى الذي تؤدي إليه لاختلاف اعتباراتهم، وذلك أن منهم من نظر إلى سنام التقوى وذروته ، ومنهم من نظر إلى أصله وحقيقته، ومنهم من نظر إلى قاعدته التي تستجمع جميع جزئياته ، ومدلول التقوى يفيد ذلك كله.
والعلماء قالوا بأن مراتب التقوى تنقسم إلى ثلاث:
المرتبة الأولى : هي تقوى العوام ، وهذه المرتبة تقتصر على اتقاء الشرك ، فكثير من العوام يرون أنهم حسبهم من التقوى أن يتقوا الإشراك بالله ، ولا ضير عليهم أن يقعوا في معاصيه بعد ذلك ، وفي الحقيقة هذه المرتبة ليست من مراتب التقوى في شيء، ولا يترتب عليها ما وعد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به المتقين من الفوز والنعيم، فإن صاحبها لا ينجو من سخط الله وعذابه وإنما ينجو من وصف الشرك وحكمه.
المرتبة الثانية : هي مرتبة الخواص ، وهي أن يتقي الإنسان كل ما حرّم الله تعالى عليه من فعل أو ترك ، بحيث يستجمع كل ما أمره الله به ويزدجر عن كل ما نهاه عنه.