الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣أحد إلى درجة المتقين حتى يكون أكثر محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر ) ، فالأمر يقتضي أن يكون الإنسان شديد المحاسبة لنفسه حتى يكون مثله كمثل الشريك الشحيح في محاسبته لشريكه ، أو السلطان الجائر في محاسبته لرعاياه، ومن هذه المحاسبة الدقيقة من قبل السلف رضي الله عنهم لأنفسهم وحرصهم على حملهم لنفوسهم على تقوى الله جاءت تلك الوصية التاريخية البالغة من عمر رضي الله عنه عندما جنّد الأجناد لمواجهة دولة الفرس وقوتها وعتادها وكبريائها وغلوائها، فإنه وجّه وصيته إلى الجند وقائدهم سعد رضي الله عنه قائلاً : (أما بعد؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا. فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم؛ كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم ، أسأل الله ذلك لنا ولكم )(1)، هكذا كانت وصية الخليفة العادل الراشد عمر رضي الله عنه لقائد جند المسلمين ، وقد تفاعل الجند والقائد مع هذه الوصية ، لأن الموصي بها متفاعل معها قبلهم ، فقد انبعثت من أعماق نفسه تعبيراً عن مشاعرها وترجمة عن مكنونات
(1) العقد الفريد؛ لابن عبد ربه، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.