الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

ضميرها ، وكان الإخلاص يزكيها والعمل يصدقها، فلذلك ما لبثت أن حلت في سويداء قلوبهم وأعماق نفوسهم فلم يلبثوا حتى جسدوا هذه الوصية تجسيداً تاماً في سريرتهم وعلانيتهم.

وكان هذا هو السبب في انتصارهم حتى تقهقر جيش العدو أمامهم ، وظل يكابد الهزائم تلو الهزائم ، ويحاول أن يستنصر بما يثبت مواقفه ويدرأ عنه الخطر الزاحف، ولكن أنّى له النصر وقد أتاه ما لا قبل له به ؟‍! فقد بلغ الأمر بيزدجرد الإمبراطور الفارسي أن ضاق ذرعاً بالمأزق الذي وقع فيه جنده ، فلم يجد إلا أن يرسل رسولاً إلى إمبراطور الصين يستنجده على هؤلاء المؤمنين ، مع قلة المؤمنين الذين نازلوا جنده في ميادين المعركة وضآلة عدتهم ، وعندما وصل الرسول إلى الإمبراطور الصيني وسلمه رسالة الإمبراطور الفارسي وقرأها ، سأل هذا الرسول عن الكثير من أوصاف المسلمين، وكان مما سأله عنه : هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر منكم عدداً أو أقل عدداً ؟ قال له : هم أقل عدداً. قال له : هل هم أكثر عدة أو أقل عدة؟ قال له : هم أقل عدة . قال له : أخبرني عن حالهم . قال له : هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار . قال له : أخبرني عن طعامهم . قال له : يأكلون بقدر ما يعيشون . قال له: أخبرني عن لباسهم . قال له : يلبسون بقدر ما يستترون ، ويقولون " ولباس التقوى ذلك خير " . قال له : أخبرني عن حالهم فيما بينهم . قال له : قلوبهم كقلب رجل واحد . فقال له : إنهم لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم هذه . ثم كتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس ، جاء فيها : ( قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء ، فلو عارضتهم الجبال لاقتلعوها ، ولو أرادوني لانتزعوني من مكاني هذا ، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم)(1)

(1) البداية والنهاية؛ ج4 ص127، الجامع الأكبر؛ العريس للكمبيوتر.

٣٢٤ / ٣٩٩