الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧وهل من أحد أكرم على الله من عبده ورسوله مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي رفع قدره فوق النبيين ، وفضّله على خلقه أجمعين ؟ وقد كانت حياته –من هذه الناحية– كحياة سائر البشر ، فكان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، ويتزوج النساء، ويتداوى من الأمراض ، ويستعين بذوي الاختصاص في مختلف الأعمال ، وقد أمره الله تعالى أن لا يستغني برأيه عن مشورة أصحابه رضي الله عنهم ، حيث قال له: "وشاورهم في الأمر "(1) مع أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحصف منهم رأياً ، وأعمق نظراً، وأعظم اقتداراً ، وأقوى فهماً ، وبجانب هذه المزايا التي كان يتمتع بها فقد كان مختصاً من بينهم بتنزل الوحي عليه بأمر الله ، ينير له السبيل ، وينصب له الدليل، ويبين له ما يأتي وما يذر ، وما يقول وما يعمل، فلو استغنى أحد من البشر عن بني جنسه لكان أول الناس بذلك هذا النبي المجتبى والرسول المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم سائر النبيين الذين اصطفاهم الله من سائر خلقه لأن يكونوا وعاء لنوره وحملة لرسالته، ولكن أنى ذلك، وقد اقتضت مشيئة الله أن تكون حياة البشر أجمعين متشابهة من هذه الناحية، فتلك سنتها التي لا تتبدل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وتلك نواميسها التي لا تتحول حتى يتحول الوجود كله إلى نشأة أخرى "ولن تجد لسنة الله تبديلا"(2).
وإذا كانت هذه هي سنة الحياة التي أرادها الله لهذا الصنف من خلقه فإن التفاهم والترابط والتآلف والتعاون بين الناس ضرورة ملحة من ضرورات حياتهم ، ومطلب مهم من مطالب فطرتهم ، سواء كان ذلك في محيط ضيق كالأسرة والعشيرة ، أو محيط أوسع كالمجتمع والأمة.
(1) الآية رقم ( 159 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 62 ) من سورة ( الأحزاب ) ، الآية رقم ( 23 ) من سورة ( الفتح ) .