الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٣وما أنا من المشركين "(1) ثم أتبع ذلك قوله : " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى فلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديقاً الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"(2)، فقد ذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هنا ما يدل أن طريق الدعوة محفوف بمكاره عظيمة ، ولذلك وصل الأمر بالمرسلين –مع رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم وعلو هممهم وصلتهم بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -– إلى مشارفة اليأس ، وهناك تداركتهم ألطاف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وغمرهم فضله ، وأتاهم نصره ، فنجي من شاء الله ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين، وهكذا الشأن في كل عصر من العصور وهو واضح في التاريخ ، فإن القائمين بالدعوة اصطدموا ببيئاتهم وبالمحيطات البشرية من حولهم ، فقد يصطدم الداعية أول ما يصطدم بأقرب الناس إليه ، وهذا مما يكون ذلك بين الولد وأبيه ، والأخ وأخيه ، والزوج وزوجه ، والقريب وقريبه ، وهذا واضح في تاريخ النبوات ، فإبراهيم عليه السلام وقف في سبيل دعوته أبوه ، ويبدو أنه بسبب قرابته منه وصلته به كان أول من جحد الحق الذي جاء به ابنه ، كذلك نوح عليه السلام كان من جملة الذين خالفوا أمره ، وخرجوا عن طاعته ابنه ، لذلك قال الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيه : "إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعيذك أن تكون من الجاهلين"(3)، وكذلك كان شأن نوح ولوط عليهما السلام مع امرأتيهما ، وقد ضرب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هاتين المرأتين مثلاً
(1) الآية رقم ( 108 ) من سورة ( يوسف ) .
(2) الآية رقم ( 109 ) من سورة ( يوسف ) .
(3) هود/46.