الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٣٣٧

وقد صور لنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثر الصلاة في النفس بما هو أقرب إلى الحس من الأمور المشاهدة المألوفة حيث قال : " أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهراً جارياً غمراً ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات ، أيبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : فذلك مثل الصلوات الخمس"(1).

ذلك لأن المطلوب في الصلاة أن يقف المصلي بين يدي ربه مستشعراً ذله وصغاره أمام العزة المطلقة والكبرياء المطلق ، خاشعاً وجلاً تاركاً وراءه هموم الدنيا وأشغالها ، لا يستحضر إلا ما يتلوه ويردده من ذكر الله في قيامه وقعوده ، وركوعه وسجوده، وفي تنقلاته بينها ، وأكثر ما يتردد من الذكر على لسانه تكبير الله تعالى الذي يفتتح به الصلاة ويردده في انتقاله من حال إلى حال فيها وهو كافٍ لإيقاظه من غفلته، وإفاضة شعور يملأ منه شعاب النفس ويبلغ في أعماق العقل والوجدان بأن الكبرياء لله تعالى وحده ، والناس وإن تباينت طبقاتهم حسب أعرافهم المصطنعة ما هم إلا عبيد أذلاء بين يديه ، نافذة فيهم مشيئته ، ماضٍ فيه قضاؤه ، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، لا فرق في ذلك بين قوي وضعيف ، ولا بين كبير وصغير ، ولا بين غني وفقير ، ولا بين جنس وآخر ، فقد قال - عَزَّ وَجَلَّ - : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "(2) ، فليس من الحكمة والعقل ولا من المصلحة للإنسان أن يتعالى على أحد من خلق الله لمنافاة ذلك للتقوى التي هي ميزان التفاضل بين الناس، ولأن أثر ذلك يعود على النفس بما تكره في الدنيا والآخرة ، وهكذا كل ما يتلوه المصلي في صلاته من قرآن أو تسبيح أو أي ذكر كان، تفتح كل كلمة منه آفاقاً من الفكر النير ، فتستنير بصيرته وتصفو سريرته وتستقيم في الناس سيرته.

(1) مسلم (1472).

(2) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الحجرات ) .

٣٣٧ / ٣٩٩