الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨واشتراك جميع المصلين من الأمة –وكلهم مطالبون بالصلاة ومخاطبون بأدائها على وجهها الشرعي– في التحلي بهذه القيم والتخلق بهذه الفضائل يؤدي إلى تفاعل جميع أفراد الأمة في أسرهم ومجتمعاتهم ، وبهذا تتماسك جميع أجزاء الأمة ، فتكون متحدة في مبادئها وغاياتها ، وفي مسيرها ومصيرها ، وفي سلوكها وعاداتها، وفي أحاسيسها ومشاعرها ، وفي آمالها وآلامها ، يشد قويها أزر ضعيفها ، ويسد غنيها حاجة فقيرها ، ويوقر صغيرها كبيرها ، ويرحم كبيرها صغيرها ، وفي ذلك تجسيد لما يدعو إليه قوله تعالى : " إنما المؤمنون إخوة "(1) ، وقوله : " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون "(2) ، وقوله : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون"(3).
ولئن كانت الصلاة تنبع منها هذه القيم ، وتنبعث منها هذه الفضائل ، فإن أداءها في الجماعات يضاعف من رسوخ هذه المعاني في النفس ، وتمكنها من العقل والقلب ، فما أروع ذلك المشهد الذي يجمع شتات الناس في ظل العبودية لله سبحانه ، فتصطف صفوفهم بين يديه متراصين في وقفتهم ، منتظمين في حركاتهم ، قد تحطمت بينهم جميع الفوارق المصطنعة ، وتطايرت عنهم جميع النعرات المختلفة ، يقف الغني والفقير، والقوي والضعيف ، والحاكم والمحكوم ، جنباً إلى جنب لا يعظمون غير الله، ولا يبتغون إلا وجهه ، تخر له جباههم ساجدة ، وتنحني له ظهورهم راكعة ، وتذل له رقابهم صاغرة ، لا يستجيبون إلا لداعي الله ، ولا يلتفون إلا على مائدة عبادته، يداوون بها نفوسهم من غرورها ، ومن سائر عيوبها وشرورها.
(1) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) الآية رقم ( 92 ) من سورة ( المؤمنون ) .
(3) الآية رقم ( 52 ) من سورة ( المؤمنون ) .