الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩إن مثل هذا اللقاء الروحاني لجدير بأن تلتحم فيه الأرواح قبل أن تلتقي الأجساد، وأن تمتزج فيه المشاعر ، وتتعاطف فيه القلوب ، فيتبخر –بحرارة الإيمان– ما فيها من سخائم وأحقاد ، ويتلاشى بسيل المودة ما يغشاها من بغض وكراهية.
وللصلاة في الجماعة فضل عظيم بيّنه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة"(1)، وفي رواية أخرى: "الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"(2).
ولم تختلف الأمة في مشروعية الجماعة في الصلوات الخمس وفي فضلها، وإنما اختلفت في حكمها ، فعدها بعضهم واجبة على الأعيان ، وغيرهم واجبة على الكفاية، وآخرون سنة مرغباً فيها ؛ والقول الأول هو الصحيح للأدلة المتضافرة الدالة عليه، وليس هذا المقام محلاً لبحثها(3).
إذا كانت الصلوات الخمس في الجماعات تجمع عدداً محدوداً من الناس في كل يوم وليلة خمس مرات ، لتطهرهم من أرجاس الإثم ، وتصفيهم من أكدار البغضاء والأحقاد ، فإن صلاة الجمعة تجمع عدداً أكبر في كل يوم جمعة من كل أسبوع، ليزدادوا صفاء ونقاء ونوراً وبهاء ، وليكون في ذلك تذكيرهم بأكثر من معنى، ليشكروا نعم الله عليهم وليقووا صلتهم به ، معتصمين بحبله المتين ، ومتمسكين بعروته الوثقى ، ففي يوم الجمعة خلق الله آدم أبا البشر ، وفيه تاب عليه ، وفيه أهبط من السماء إلى الأرض ، وفيه تقوم الساعة ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه(4).
(1) الربيع (216).
(2) الربيع (215).
(3) تراجع من (جواهر التفسير) لسماحته ، الجزء الثالث ، ص169 – 214 ط1، وكذلك تطرق إلى بعضها في المباحث السابقة.
(4) الربيع (279).