الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

ويقول في هذا الإمام مُحَمَّد الطاهر بن عاشور: (وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي لأن المعاصي قسمان ، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغضب ، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله ، والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب، وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر ، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها ، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي ، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني ، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية ، وفي الحديث الصحيح : " الصوم جُنة " أي وقاية ، ولما ترك ذكر متعلق " جُنة " تعين حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، وفي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ، ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات)(1).

وإذا كان الصوم يضبط غرائز الإنسان الغضبية والشهوانية ، وهذه الغرائز هي أخطر العوامل في تفتيت وحدة البشر وتقطيع الحبال الواصلة بين الناس ؛ عندما يستجيب كل أحد لداعي غريزته غير مبال بعاقبة أمره وأمر أسرته ومجتمعه وأمته فالصوم إذاً من أقوى الضمانات لحفظ كيان الوحدة وإبعادها عما يهددها من مخاطر الأنانيات، ومعاول الغرائز والشهوات.

(1) التحرير والتنوير2 ص158 ، الدار التونسية للنشر .

٣٤٩ / ٣٩٩