الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٦١وإذا كان العبد يقف في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل بين يدي الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، يكرر –في كل مرة يقفها– عدة مرات قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ (1)، فإن عليه أن يكون صادقاً في قوله، فإنه يخاطب من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؛ الذي يعلم السرائر كالعلانية؛ ويعلم ما يختلج بين حنايا ضميره، ويحيط بكل ما يكتنفه سره، وعليه أن يدرك بأن هذا الخطاب إنما هو موجه لله، فإن كان في أي عمل من الأعمال التي يعملها يبتغي غير وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فإن ذلك ينافي هذا القول، إذ هو يقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وهذا حصر للعبادة في ذات الحق - عَزَّ وَجَلَّ -، إذ تقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، فمعنى ذلك؛ لا نعبد إلا إياك، ولئن كان يبتغي بهذه العبادة غير وجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -؛ فماذا عسى أن يكون أمره؟.
الرياء والشرك:
إن الله - عَزَّ وَجَلَّ - بيّن في محكم كتابه العزيز أن عدم إخلاص العبادة لله –أي الرياء– هو ضرب من الإشراك، فالله تعالى يقول: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً ﴾ (2).
المفسرون الذين يعتنون بالروايات؛ ويربطون في تفسيرهم بين الآيات وأسباب نزولها، ذكروا أسباباً متعددة لنزول هذه الآية الكريمة، فمنهم من ذكر بأنها نزلت في الرجل الذي يعمل العمل لوجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، فإذا اطّلع عليه الناس سره ذلك، ومنهم من يقول: بأنها نزلت في الذي يجاهد في سبيل الله، ولكن إذا سمع ثناء الناس عليه وشكرهم له على الجهاد انشرح صدره لذلك، ومنهم من قال: بأنها نزلت فيمن يبر والديه ويصل أرحامه وهو يقصد بذلك وجه الله؛ ولكن عندما يثنى عليه بسبب ذلك يعجبه هذا الثناء.
(1) الفاتحة/5.
(2) الكهف/110.