الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢والآية –في الحقيقة– هي أعم من هذه الأسباب بأسرها، وإنما من شأن المفسرين –كما هو معروف في مصطلح المتقدمين منهم– أن يقولوا بأن الآية نزلت في كذا؛ إن كان حكمها يشمل ذلك الأمر، وقد نبه على هذا بعض حذاق المفسرين من المتقدمين أنفسهم.
فالآية الكريمة تدل على أن عبادة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يجب أن تكون خالصة لا تشوبها شائبة من رياء أو ابتغاء غرض من أغراض هذه الحياة الدنيا.
ومفهوم العبادة هو مفهوم عام، لأنها –كما قلت– هي ضريبة العبودية، فهي الطاعة المطلقة لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فكل أمرٍ أًمَرَ الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به يجب أن يمتثل طاعة له، وكل أمر حذّر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - منه يجب أن يجتنب ابتغاء مرضاة الله - عَزَّ وَجَلَّ - أيضاً، وهذا هو معنى إخلاص الدين؛ فالدين الطاعة، والطاعة تكون في الأوامر والنواهي ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ (1)، أي مخلصين له الطاعة، فالأوامر والنواهي كلها تدخل في الدين، لأنها تدخل في باب طاعة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - .
فالمقصود بقوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً ﴾ (2)، ألا يقصد بأي عمل من الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ سواء كان هذا العمل فيما بينه وبين ربه؛ كالصلوات والصيام والحج، أو كانت فيه منفعة للعباد؛ كالزكوات والصدقات وعون الضعيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وبر الوالدين وصلة الرحم، وكذلك اجتناب المنهيات، أن لا يقصد ذلك كله إلا لأجل وجه الله - عَزَّ وَجَلَّ -.
(1) البينة/5.
(2) الكهف/110.