الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٤٦البشرية لا تختلف عن الطبائع المحسوسة، والأقذار المعنوية لا تختلف أيضاً طبائعها عن الأقذار الحسية ، فلينظر الإنسان إلى الثوب الأبيض الناصع عندما يصيبه شيء من الأقذار ، إن عاجله بالتنظيف زال عنه القذر وزال معه أثره، فلا يبقى شيء من لونه أو ريحه ، أما إن أهمله وتركه عرضة للأقذار تتراكم عليه شيئاً فشيئاً حتى يصبح رده إلى نصاعته السابقة أمراً عسيراً جداً ، فعندما يغسله يتكلف الكثير من التعب والمشقة ، ومع ذلك تظل آثار الأدران(1) باقية في الثوب؛ ويكون الإنسان دائماً بحاجة إلى التيقظ لمثلها، وكذلك عندما ينظر إلى المرآة الصافية النقية، فعندما يلصق بها شيء من الصدأ ، إن عاجلها بالصقل عادت نقية صافية كما كانت من قبل ، أما عندما يترك الصدأ يتراكم عليها ، فإنه يؤثر فيها حتى يعسر زواله.
ومعصية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - التي تصدر عن إصرار الإنسان هي جرأة عظيمة ليست بعدها جرأة ، حيث يعصي العظيم الذي جلت عظمته ووسعت كل شيء قدرته، الذي أسبغ عليه النعم الظاهرة والباطنة ، ومنه مبدؤه وإليه منقلبه ومعاده ، ومن بيده تصريف أمره ومقاليد حياته ومماته وقد وعده وتوعده ، وهو منجز وعده ووعيده، هذا ولا ريب أن الحاجز النفسي الناشئ عن شعور الإنسان بعظمة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يباعد بينه وبين معصيته ، ولكن هذا الحاجز يتحطم بالإصرار على معصيته ، فلا يلبث أن يتحول من الخشية من الله إلى الجرأة عليه ، وتكون هذه الفلتة التي كانت منه عن إصرار كمثل العقد إذا انقطع سلكه ، فلا تلبث خرزاته أن تتساقط ، وهكذا تتساقط الأعمال الصالحة بسبب اجتراء الإنسان على معصية ربه - عَزَّ وَجَلَّ - عندما فيجد نفسه وقد أفلس من جميع الحسنات ، وغرق في خضم الموبقات.
التوبة تمحو أثر المعصية:
(1) الدرن: الوسخ.