الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٤٧وهذا لا يعني أنه لا تكون فلتة من الإنسان ، فإن طبيعة الإنسان السهو والنسيان، ولكن المؤمن سرعان ما يدكر ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فرّق بين المصرين وغيرهم، قال عز من قائل : " وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"(1)، فالمتقون الذين وعدهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - جنةً عرضها السموات والأرض ليسوا بمعصومين ، وإنما تقع منهم الفلتات ، فلربما وقع أحدهم في فاحشة ، ولربما ظلم أحدهم نفسه بمواقعة شيء من الصغائر ، ولكن مع ذلك يدكرون ويرجعون كما وصف الله تعالى بذلك الذين اتقوا ، فهم وإن كانوا عرضة لوسوسة الشيطان –إذ لا يكاد ينجو منها إلا المعصومون– إلا أنهم سرعان ما يدكرون ، يقول الله تعالى : " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "(2) ، هذا الصنف من الناس سرعان ما يدكر، لأن خشية الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ورجاءه تملآن ما بين جوانحه ، ويتلاطم عبابهما(3) في قلبه، فلا يلبثا أن يتفاعلا تفاعلاً يوقظ هذه النفس من سكرتها ، فتعود إلى رشدها وتقلع عن غيها ، وتجانب كل ما يؤدي إلى هلاكها ، فالذين يتعهدون بذلك أنفسهم لا ريب أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يحفظهم من مكائد الشيطان ، فلا يكاد يوسوس لهم وسوسة تنحرف بهم عن سواء السبيل حتى يتراجعوا ويثوبوا إلى رشدهم ، بخلاف المصر الذي يعمى ويصم عن كل ذكرى وموعظة ، "
(1) الآية رقم ( 135 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 200 ) من سورة ( الأعراف ) .
(3) العباب: ارتفاع الماء وثرته، وهنا كناية عن عظم الخشية في النفس.