الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٤٩ولكن من هذا الذي يتوب وترجى له التوبة ؟ هل هو الذي أغرق نفسه وعمره في معاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ؟ إن التائبين هم الذين يدكرون عندما يقعون في شيء من تجاوز حدود الله ، يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حليماً، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً "(1) ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يبيّن هنا أنه جعل قبول التوبة كالأمر الواجب عليه ، وإن كان - عَزَّ وَجَلَّ - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، إلا أنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بفضله وحلمه وحكمته اقتضت مشيئته أن تكون التوبة مقبولة عنده حتماً - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بدون أي لبس وريب فلذلك قال : " إنما التوبة على الله "(2) ، لمن هذه التوبة ؟ " للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " هؤلاء الذين يقع أحدهم في السوء بسبب جهالة، ولكنه يدكر ويعود إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - من قريب ، لا يسترسل في سوئه ، لأن المعصية كما قلت تجر معاصي ، ولأن الران عندما يستحكم في نفس الإنسان يعمي بصيرتها فلا تبقى مهيأة لأن تدكر وتتبصر ، وبيّن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن وقوع هؤلاء في المعصية يكون عن جهالة أي جهل حكم تلك المعصية التي ارتكبوها ، أو بسبب السفاهة التي تطرأ للإنسان عندما تغشاه غاشية من ثورة شهوة أو غضب، والتوبة تكون لهؤلاء عندما يتوبون عن قريب ، فلا تكاد تلك الثورة تهدأ وتسكن وتنكسر حتى يكون الادكار والإياب إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولذلك قال : " ثم يتوبون من قريب " أي لا يسترسلون في المعصية، سادرين(3)
(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(3) السادر: البالغ منتهى الحد، ومنه سدرة المنتهى أي المكان الذي ينتهي عنده علم الخلق.