الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٥١إن هؤلاء الذين وعدهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بالتوبة وجعلها كالأمر الواجب عليه لم يصفهم - عَزَّ وَجَلَّ - بأنهم يعملون السيئات ، بل وصفهم بأنهم يعملون السوء بجهالة، فأفرد السوء، لأن هؤلاء عندما يقع أحدهم في معصية لا تكاد معصية أخرى تردفها إلا وهو تائب من معصية مقلع عنها ، أما الذين آيسهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من التوبة، فقد وصفهم بأنهم يعملون السيئات ويستمرون عليها ، بحيث تتابع سيئاتهم، لأنهم لا يقعون في سيئة واحدة فقط ، وإنما كل سيئة من سيئاتهم تجر وراءها أخواتها، وهكذا تتكاثر سيئاتهم من غير إقلاع وندم حتى يفجأهم ريب المنون فلا يبقى لأحدهم أمل في الحياة ، عندئذٍ يقول إني تبت الآن ، فتوبته ليست توبة اختيار، وإنما هي توبة اضطرار ، " حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن "(1) ولم يقل - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حتى إذا حضر أحدهم الموت تاب. وإنما قال: " قال إني تبت الآن" فمثل هؤلاء كمثل الذي يُصْلتُ السيف على رأسه بعد أن يعثر عليه بأنه مقارف لأمر لا يرتضيه النظام ولا يقره القانون ، فيحاول أن يتملص ويتخلص بقوله إني تبت الآن، ولذلك جيء بكلمة " الآن " لأن هذه التوبة توبة غير مستمرة ، وإنما هي توبة آنية ، فلو أن من أصلت عليه السيف من قبل النظام أو القوة - حتى كاد يذهب برأسه - رفع عنه ، فإنه سرعان ما يرجع إلى غيه ، وكذلك هذا الذي يرى علامات الموت ، وييأس من الحياة ، لو أنه عادت إليه الحياة لعاد إلى ما كان عليه من غي وفساد ، يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في أهل النار : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه"(2).
3- المعصية انحراف عن النظام:
(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 28 ) من سورة ( الأنعام ) .