الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٧٠

وتَعَالَى - يقبل هذه التوبة قبولاً واسعاً فكأنه يمد يده إلى هذا الذي جاء إليه تائباً كمد الحاكم يده إلى من جاء إليه مبايعاً ليتقبل منه بيعته ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - منزه من مشابهة المخلوقات ، وإنما هذه كناية كسائر الكنايات المعهودة في اللسان العربي، شأنها شأن قوله تعالى : " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "(1) ، وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من عدة طرق ، عن ابن مسعود وأنس والبراء وغيرهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شبّه قبول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لتوبة عباده التائبين بحالة عبدٍ كان في فلاة ومعه راحلته عليها ماؤه وزاده ، فنام فاستيقظ فلم يجدها ، فلما أضلها ذهب ليبحث عنها حتى إذا ما أرهقه التعب والحر وأيس منها رجع إلى مكانه وقال: أنام حتى أموت. فتوسد ساعده منتظراً الموت ، فاستيقظ فوجدها أمامه ، عليها زاده وماؤه ، وقال "الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة "(2) ، ومعنى فرحه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بتوبة عبده المؤمن إكرامه له ، وقبوله لهذه التوبة ، واستقباله إياه باللطف ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بلغ لطفه بعباده أنه يتقبل التوبة منهم بمثل ما يستقبل الإنسان راحلته التي عليها أسباب نجاته من الهلكة في موضع هو مظنة الهلكة ، وجاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، ومعنى ذلك أن باب التوبة لا يسد إلا عند الغرغرة ، وذلك عندما تبلغ الروح الحلقوم، وكذلك عندما تطلع الشمس من مغربها ، لأن هذه الحالة تؤذن بانتهاء الدنيا وإقبال الآخرة ، فهذه التوبة تكون توبة اضطرار أيضاً، وحمل على ذلك قول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : "يوم يأتي

(1) الآية رقم ( 64 ) من سورة ( المائدة ) .

(2) البخاري ( 5950 ) ، مسلم ( 2744 ) .

٧٠ / ٣٩٩