الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٧٢يتوب قبل الغرغرة ، واستدلوا لذلك أيضاً بأن الآية التي تليها جاء فيها ما يدل على أن التوبة للمسوفين(1) إلى أن تنقضي أعمارهم ويحضر أحدهم الموت.
وللإمام مُحَمَّد عبده تحرير جيد جداً في تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين ، وتابعه على ذلك تلميذه السيد مُحَمَّد رشيد رضا في المنار، وهو من التحقيق بمكان ، جاء فيه أن المراد بالتوبة من قريب أن يتعجل الإنسان التوبة إثر وقوعه في الخطيئة عندما يستيقظ ويتفطن لما حدث منه ، ذلك لأن شأن المؤمن أن يكون رجاعاً إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، والمعصية تكون غالباً بباعث من الشهوة أو الغضب ، ولكن عندما تنكسر شهوة العبد وتنتهي حدة غضبه يفيق من غيه ، فيأتيه الندم ، وهذه الساعة هي ساعة التوبة ، يدرك الإنسان فيها خطر ما وقع فيه فيحرص على أن يتدارك نفسه، فيقلب صفحته من الشر إلى الخير ، ومن المعصية إلى الطاعة، ويعود إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليطهر نفسه من رجس ما وقع فيه ، وهنا ملحظٌ دقيقٌ جداً لم أجد أحداً من المفسرين تنبه له قبل الإمام مُحَمَّد عبده، وهو من الدقة بمكان، وهو حريٌ أن يُتفطن له، وذلك يكمن في دقة التعبير القرآني وهو أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عندما ذكر حال الذين يقبل توبتهم قال : " الذين يعملون السوء بجهالةٍ"(2)، فأفرد السوء، أما المسوفون الذين لا تقبل توبتهم لأنها لا تكون إلا اضطرار فقد قال فيهم: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات "(3)، فأتى بكلمة السيئات بصيغة الجمع، ومعنى ذلك بناءً على ما توجه إليه فكر الإمام مُحَمَّد عبده أن الذي يقبل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - توبته هو الذي يُحدث التوبة إثر المعصية، فإن إحداثه للتوبة إثر المعصية يمحو آثارها من نفسه ويجعلها كأنها لم
(1) التسويف: التأجيل من حين لآخر، أخذاً من قوله: سوف أفعل، سوف أفعل.
(2) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(3) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( النساء ) .