الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٧٧

إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وعد التائبين الصادقين قبول توبتهم بحيث جعلها كالشيء اللازم عليه سبحانه ، مع أنه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يجب عليه شيء لخلقه ، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولأنه عدل في كل ما يفعل ، ولكن لتحقيق هذا الوعد قال : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "(1) ، ومعنى ذلك أن هؤلاء عندما يرتكبون المعصية فإنهم يفعلون ذلك إما بسبب عدم معرفتهم بالأحكام ، وإما بسبب ما يطغى على نفوسهم من أثر الشهوة أو الغضب وحب الانتقام ، حتى ينسيهم حكم الله تعالى في الذي يرتكبونه ، هؤلاء هم الذين أعطاهم الله تعالى العهد بأنه يتقبل منهم توبتهم، لأنهم عندما يقعون في المعصية لا يقعون فيها وهم مصرون ، ولكن يقعون فيها لنزوة طارئة أو لجهل ملم ، وعندما ينجلي هذا الجهل أو تزول هذه النزوة ، شهوة كانت أو غضباً ، سرعان ما يتراجعون ويثوبون إلى رشدهم ، ويتوبون إلى ربهم ، فلذلك جعل الله توبتهم كالأمر الواجب عليه سبحانه ، لأنه لا تبديل لكلماته ، أما الذين يستمرون على المعصية فإنهم عندما يتوبون إلى الله توبةً صادقةً ولو كانت في آخر العمر تقبل منهم ، ولكن أنى للإنسان أن يمني نفسه أنه سيجد هذه الفرصة في آخر عمره ، مع أن الآجال صوارم تقطع حبال الآمال ؟ فكم من مغرور يسوف التوبة من حالٍ إلى حال ، بسبب ما يمني به نفسه من الأمل أنه سينسأ له في أجله الخادع حتى تختم حياته بتوبة؛ أتاه ريب المنون بين عشية وضحاها، فتحول من الدنيا إلى الآخرة وهو مثقل بالأوزار ، وكيف يسوغ للإنسان أن يخدع نفسه بهذا الأمل الخادع مع إسلاس قياده للشيطان وإمعانه في المعاصي ، بحيث يتراكم على نفسه آثارها المشئومة ، وكيف يمني نفسه بأنه سيعقد رغداً على ما يعجز عنه اليوم؟.

جسر المنون أمام وجهك عابر

ولسوف تعبره مع السُّفار

شمِّر لتعبره مخفاً سالماً

من ثقل ما أوقرت من أوزار

(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .

٧٧ / ٣٩٩