الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٩٣

تأثير بالغ ، وهذا أمر معهود في تاريخ الإنسانية، فلربما كان الولد ينتمي إلى آباء غير صالحين ، ولكن عندما تكون أمه امرأة صالحة تأخذ في تربيته على الاستقامة والخير والصلاح والرشد حتى تسلخ عنه ثوب آبائه وتلبسه ثوباً من نسيج آخر سداه ولحمته(1) الإيمان والتقوى فتخرجه مما كانوا عليه من الانحراف عن طريق الحق.

وأقرب مثال لذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه(2)، الذي كانت أمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، وكان لأمها شأن عند جدها عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه كان من عادته أن يخرج بالليل ليتفقد أحوال الرعية ولينظر استتباب الأمن في البلاد ، وذلك لاهتمامه برعيته وحفاظه على سلامة مدينة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعاصمة الإسلام من كل خطر يهددها ، فبينما هو في إحدى الليالي يتجول في سكك المدينة إذ سمع صوت امرأة تقول لابنتها : قومي امذقي اللبن . أي اخلطيه بالماء ليكثر وتزداد قيمته عندما يباع ، فقالت لها الفتاة : إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك . فقالت الأم : ومن أين لأمير المؤمنين أن يعلم بما تفعلينه؟! فأجابتها : بأن الله هو العليم إن لم يطلع عليه أمير المؤمنين . فأعجب عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الفتاة وإيمانها ، فوضع علامة على ذلك البيت ، ثم سأل عنها هل هي متزوجة أو فارغة ، فتبين له أنها فارغة ، فأمر ولده عاصماً أن يتزوجها ، وقال : ( أرجو أن تلد من يملأ الأرض عدلاً بعد أن تملأ جوراً ) ، فشاء الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لهذه الفتاة أن تلد بنتاً لعاصم، وأن يتزوجها عبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك بن مروان فولدت له عمر ، ولكنها كانت تربيه من أول الأمر على سيرة جده العظيم عمر بن الخطاب رضي

(1) السداة: نسيج الثوب، واللحمة اختلاطه وتداخل خيطه.

(2) الخليفة العادل الفقيه أبو حفص عمر بن عبد العزيز الأموي، ولي الخلافة سنة 99هـ فسار في الناس سيرة حسنة إلى أن توفي سنة 101هـ 720م.

٩٣ / ٣٩٩