العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٠١و كان من جبره و ظلمه قال لابنه الوليد ، لمَّا ثَقُلَ في مَرَضِهِ : " يا وليد لا ألفينََّك إذا وضعتني في حُفْرَتي تَعْصُرُ عينك كالأمة الوَلْهَا ، بل اتّزِر، و شَمِّر ، و البس جلد النَّمر ، وادع الناس إلى البيعة ، فمن قال برأسه كذا - أي لا - فَقُلْ بالسيف كذا - أي اضرب عنقه - " ، هذه وصية ذلك الطاغية التي تسجلها له الملائكة أول دخوله في الآخرة ، و آخر خروجه من الدنيا "(1) ، و الله المستعان .
إنَّ المقصود من ذكر هذه النبذة الوجيزة من تاريخ عبدالملك بن مروان، لِنُبَرْهِن بذلك على منزلة عبدالله بن إباض أيام هذا السلطان ، فيتبين كما قيل : "وبضدها تتبين الأشياء "، فمن عرف حالة عبدالملك بن مروان ، علم منها مقام عبدالله بن إباض ، إذ يناقش عبدالملك في أمور عديدة ، و يَرُدَّ عليه أقواله ، و ينتقد عليه تلك الأعمال كما سوف نذكر للقاري نبذة منها .
كتب عبد الملك بن مروان كتاباً لعبدالله بن إباض ، و أرسله إليه بيد سنان بن عاصم ، أحد رجاله ، طلب فيه من عبدالله بن إباض أن يكشف له حقيقة ما عنده، و كان ذكر له عثمان ، و ما هو عليه ، و عرَّض له فيه [72] لأمر الأمة و ما هي فيه ، و إنَّها بحيث يهتم بها و بشأنها الزعماء ، و إنَّ لعثمان قدم سبق ، و يد فضل في الإسلام ، و ذكر عثمان عهد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و خلته معه ، و ذكر معاوية و ما هو عليه من السلطة و الانتصار على خصومه ، و أنَّ الله قام معه ، و عجَّل نصره ، و بلج حجته ، و أظهره على عدوه في الطلب بدم عثمان ، و كان يُحَذِّر ابن إباض من الغلو في الدِّين بِزَعْمِهِ ، و القصد أن يستكين ابن إباض كما استكان غيره ، و يقف عند الأمر الذي يراه عبدالملك ، و عرَّض له بالخوارج و أنَّهم يغلون في الدِّين ، و مراده أن لا يشتد عبدالله بن إباض عليه ، و على أعماله و عماله .
(1) حياة الحيوان الكبرى (1/ 93) .