العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٠٢و كان عبد الملك يروم اختداع عبدالله بن إباض حيث يتظاهر له بمظهر الطاعة ، و هي في الحقيقة من خدائع الملوك للعلماء الذين يراعون فيهم الحياة الدينية ، و لذلك قام عبدالملك يلبس لعبدالله بن إباض لباس الضراعة لقصده السياسي فيما هو بصدده ، و يستعمل الدهاء في وجه ابن إباض ، لعله يَغُرُّهُ بذلك حيث قال له في كتابه المشار إليه كلاما معناه " أرجو نصحك ، و أقبل كلامك ، و أعمل بنظرك ، و لا تألو جهداً في نصحي ، و ذكره بالله على ذلك "، وهو خداع و نفاق ، حيث أشار إليه بقوله عز و جل : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى " (1)… و الآية الثانية ، و هي قوله : " وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ "(2) ، و طلب من عبدالله بن إباض إعادة كتابه إليه حتى لا يبقى في يد عبدالله بن إباض فيراه الناس فيقولون فيه أشياء يفهمون(3) ، و من دهائه كان عرض لعبدالله بن إباض بما [73] لديه من دنياه ، ظناً منه الانقياد لها ، و الميل إليها ، و الاغترار بِرَيَاشِهَا و زينتها ، و كان – رحمه الله و رضي عنه – بعيداً من ذلك .
و سرعان ما أجابه عبدالله بن إباض على كتابه ذلك جواباً شافياً وافياً ، فقال كما قال العلامة البرادي حاكياً له(4) :
" بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان، أما بعد : سلام عليك ، فإنِّي أحمد الله إليك ، الذي لا إله إلاَّ هو ، و أوصيك بتقوى الله ، فإنَّ العاقبة للتقوى ، و المَرَدُّ إلى الله ، و اعلم أنَّه إنَّما يَتَقَبَّلُ الله من المتقين .
(1) البقرة : 159 .
(2) آل عمران : 187 .
(3) كذا بالأصل ،و الله أعلم بالصواب .
(4) الجواهر المنتقاة ، ص 156- 167 .