العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

و كان عبد الله بن إباض لعزِّته ، و بعزيمته الصارمة ، و بمنعته من قومه صار يجترأ على المذكور في نقاشه ، و دار بينه و إياه مقال طويل و عريض ، أبان فيه عبدالله بن إباض الحجج الصريحة التي يعرفها عبدالملك ؛ لأنَّه كان علامة فقيهاً كما جاء في ترجمته ، و يعلم حق العلم أنَّ عبدالله بن إباض لا يحابي و لا يداهن ، و هو عزيز الجانب في دينه و دنياه ، فله في هذا المقام ما شهر به في العالم العربي في عهده، و لذلك لم يشع ذكره بعدُ لأنَّه بموته مات ذكره ، إذ لم يكن له تلامذته ، يؤثرون أقوله و أفعاله ، بل هو نفسه يصدر عن آراء الإمام أبي الشعثاء – رحمه الله - ، وعليه يعتمد ، و إنما شاع اسمه أيام عبدالملك لما قام به إذ ذاك من نضال ، و حوار فنسب إليه من كان على طريقته من المسلمين .

لذلك يقول الإمام الناظم – رحمه الله - : من ذاك لا تلقى له في المذهب مسألة نَرْسُمُها في الكتب بل كان عبدالله بن إباض زعيماً دينياً وإماماً بمعنى الزعامة الصحيحة ، فإنَّها هي التي يصح أن يقال فيها خلافة راشدة ، و إن صغرت هيئتها ، فإنَّ أهل الحق قليلون بالنسبة إلى أهل الباطل ، و عبدالملك من أشد ملوك بني أمية، فقام له هذا البطل الإسلامي الذي ربته الشريعة الإسلامية السمحاء ، و غذته الطريقة الحقة في الإسلام ،[90] و كانت العرب بطبيعة الحال لا تقر على الضيم، و لا ترضى بغير العدالة كما قال

قائلهم(1) :

و إذا الملك الجبار صعد خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه

ولم يبق في الأرض يخشاه الملوك إلا الإباضية ؛ لأنَّ من عدا الإباضية يخضعون للملوك خضوع الرَّاكع السَّاجد للملك المعبود ، فما يفعله الملوك يقدسه المملوك ، فمن ذا الذي يحاذرونه و الحال هذا .

(1) البيت لبشار بن برد من قصيدة مطلعها :

جفا وده فازور أمل صاحبه و أزرى به أن لا يزال يعاتبه

خليلي لا تسنكير لوعة الهوى ولا سلوة المحزون شطت حبائبه

ديوان بشار بن برد ص109

١٢٩ / ٤٣٨