العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٣٧فالدين عند الإباضية عقيدة و أقوال وأفعال ، و لا بد من واحدة من هذه الأعمال ، و لا يغني عندهم بعضها عن بعض بعد استقرار العمل ، و ثبوت الأمر بذلك ، فتجد التثبت عند الإباضية في الأصول و الفروع كما لزم ، و لا يرون مفارقة نقطة من نقط الشريعة [96] حتى في حلق اللحية ، و قد شاع في العالم الإسلامي حتى صار من لا يحلقها مزدرى ، و قد حلقها الكثير من علماء قومنا مع قولهم بتحريم حلقها ، فصاغ للجاهل الحلق ، و تجاسر عليه عوام الأمة ، و لو لم يكن في إعفاء اللحى إلا الإئتساء برسول الله – صلى الله عليه و سلم – لكفى ، فإنَّ الله عز و جل يقول لنا في صراحة و وضوح " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ "(1) ، و مفهوم الآية من لا يتأسى به- صلى الله عليه و سلم -لا يرجو الله و اليوم الآخر ، و في المقام مزلة كبيرة نسأل الله العفو منها إنه كريم .
و بسبب حلق هؤلاء المتسمين بالعلم راجت تجارة الحلق ، و شاعت في العالم الإسلامي ، حتى صار من لا يحلقها لا احترام له عند الجمهور ؛ لأنَّه مخالف لما عليه الناس ، و لم يروا أنَّ الله جعل اللحية فارقاً بين الرجال و النساء ، وقد علموا أيضا أنَّ حلقها ينافي صفة الرجولة ، و يدعو إلى التشبه بالغواني ، و من تشبه بقوم فهو منهم ، و قد حرَّم الشرع تشبه الرجال بالنساء ، و تشبه النساء بالرجال بوعيد شديد ، مع أنَّ الناس قد علموا أنَّ رسول الله – صلى الله عليه و سلم – لم يمس منها شيئاً ، و لا الخلفاء الراشدون ، و لا الصحابة الأكرمون ، فبمن اقتدى هؤلاء المتشبهون بالإفرنج الذين لا يراعون الحقوق الدينية ، و لا يقفون عند حدودها .
(1) الأحزاب : 21 .