العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

فإنَّ بني أمية انحرفوا عن النهج الحق كل الانحراف ، و من سيئاتهم التي لا مثيل لها جعل الحجاج بن يوسف أمير العراق ، والعراق ذلك العهد أكبر محاط رجال العلم ، و ملجأ الفقه ، و مغرس الفضائل ، حتى أنَّ أهل العلم ضربوا للعلم مثلاً شاع بينهم ، فقالوا نشأ العلم في المدينة ، و فرَّخ في العراق ، وطار إلى عمان .

كان جابر بن زيد و هو عماني نزيل البصرة ، وهي إحدى مدن العراق الكبرى، فضرب مخيمه بها طالباً للعلم ، و مطلوباً منه ، و كان العمانيون الذين لهم في خدمة العلم والإسلام الأقلام العالية ، و هم روح حياة العلم إذ ذاك في البصرة، فكان جابر بن زيد إمام الفقه في جميع نواحيه ، و الربيع بن حبيب راوي المسند عمدة الحديث ، و الخليل بن أحمد و ابن دريد أركان الأدب بجميع معانيه،[104]و المهلب بن أبي صفرة حامل الزعامة في الأمة ، فكانت إذ ذاك البصرة و هي الفيحاء مضرب المثل ، فهي بصرة المهلب إمارةً ، و هي بصرة أبي الشعثاء فقهاً ، و هي بصرة الخليل بن أحمد و ابن دريد نبلاً و أدباً .

و كان أبو عبيدة الضرير آية ذلك العصر ، فكان هؤلاء مصدر الخير و الفضل والشرف ، ومضرب المثل الأعلى ، و كانوا يعرفون بالإباضية اسماً تمييزاً فقط ، بل كان هؤلاء الأبطال المذكورون مرجع عبدالله بن إباض في شؤونه كلها ، و كانت شهرته لمنعته إذ قاوم كثيراً من بدع الملوك الأمويين ، و ناضل عن أهل الحق من المسلمين ، و أيَّد كل محقِّ في الدين ، و كان لرهطه المنيع ، وشرفه الرفيع ، استحق الشهرة والصيت ، فقيل لمن كان هذا منهجه إباضياً ، أي يقول بقول ابن إباض ، و ابن إباض يرد بدع بني أمية و لا يستسيغها كغيره .

فهذا هو الأصل الأصيل لهذه الأمة الإباضية ، إذ لا مسألة واحده له في الدين يأخذ بها أحد من المسلمين إلا ما ذكروه من كتبه لعبد الملك بن مروان ، و هي مشحونة فقهاً ، و مبنية على دعائم النصح ، ومقررة لأسس العدالة ، و لم تكن حديثا يفترى.

١٤٧ / ٤٣٨