العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٧أي لأنَّ الطاعن في الدين محارب له ، ومَنْ حارب دين المسلمين [13] كان أولى بالقتل مِنْ كُلِّ أحد ، و أمَّا مانع الحق أياً كان ، مكابر للدين ، و مغالب له، عاتٍ عليه ، فهو حقيق بالقتل أيضاً ، و إلاَّ انتهكت حُرْمَةُ الدِّين ، و اسْتُبِيحَ حِمَاهُ بين المسلمين .
و الدَّال على عورات المسلمين صار أَضَرَّ على المسلمين من عدوهم ، حيث يُظْهِرُ عوراتهم لينال عدوهم منهم ، و ذلك معاداة للدين ، و إعانة على استباحة حُرَمِ الحقِّ ، و معارضة له ، والحقُّ يجب تأييده و نصره ، و إرغام الناس عليه رضوا أم كرهوا .
و سواء كانت دلالته باللسان ، أو بالكتابة ، أو بإرسال الرسل إلى العدو ليخبروهم عن عوراتهم ، كأن يقول : إنَّ الطريق إليه من كذا و كذا ، أو أنهم مضطرون إلى كذا و كذا ، أو قَلَّ معاشهم ، أو عَدَّتهم ، أو عَدَدهم ، أو غفلتهم وقت كذا و نحو ذلك ؛ فهذا كله يبيح قتل الدَّال عليهم .
فهذا و أمثاله من جملة المحاربين لله و رسوله ، و من الساعين في الأرض فساداً، و هم أَضَرُّ على الإسلام من اليهود و النصارى ، فإن أعدى عدوك الذي يطلع على ما أنت عليه فيبدى ذلك لمن يعاديك ، كأنه يعطيه سلاحاً ليقتلك .
و رجوع الطاعن في الدين إذا رجع إلى مذهب المسلمين ، و كان طعنُهُ بما يبيح قتله ، ورجوعه بلا قصد توبةٍ من طعنه ، ففي قبول توبته و رجوعه وجهان .
كما إذا ذهل عن التوبة ، أو أدخلها في عموم الرجوع إلينا ، و لم يسمها ، فقيل هو رجوع منه ، و توبة شرعية في نظر المسلمين ، بل في رأي بعض المسلمين ، وقيل لا يعد بذلك تائباً ، و لا راجعاً ، و لا داخلاً في دين المسلمين حتى يُصَرِّحَ قائلاً إنِّي تبت من طعني في الدين [14] أو في دين المسلمين ، أو في دينكم كذلك؛ لأن ديننا هو الحق ، ثم يعلن بأنَّ دينكم هو الحق و الصواب ، و بذلك يكون راجعاً ، و تائباً مقبولاً عند المسلمين .