العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٧٢و لا نترك الحقَّ لكون الذي جاء به هو عدونا ؛ لأنَّ الحق لم يكن عدواً لأحد أبداً ، [124] فإذا جاءنا به من يبغضنا و نبغضه، لكونه عدواً لنا يقاتلنا ونقاتله ، و رأينا الحقَّ معه تبعنا الحقَّ ، و أرغمنا أنفسنا عليه ؛ لأنَّ الرجوع إلى الحقَّ واجب كل مسلم ، و إذا رأينا الباطل عند أقرب الناس إلينا نسباً ، أو جيرةً، أو صداقةً ، أو ولايةً، و هي أكبر تركناه ، و ما ارتضيناه من أحد أبداً ؛ لأنَّ الله كلفنا بإتباع الحق ، و اجتناب الباطل ، وإن رأينا في إتباع الحقَّ الهَلَكَة فإنَّ فيه على الحقيقة النَّجاة ، و إن رأينا النَّجاة في الباطل ففي الحقيقة فيه الهَلَكَةُ ، و كل شيء ليس عليه أمر رسول الله – صلى الله عليه و سلم و آله – فهو رد ، أي مردود على صاحبه .
و الحقُّ هو المقصود بذات ، وغير الحقِّ هو المردود رغم أنف صاحبه ، و لا نغتر بغير الحقِّ ، وإن تَبَهْرَجَ وأشرق ، فإنَّه إلى ظلام يصير ، و لا نتبرم من إتباع الحق وإن رأينا جانبه ضعيفاً ، فإنَّه في نفسه قوي .
و لا نصطفي من الناس أهل الأهواء ، و إِنْ جَلَّ قَدْرُهُم ، و لا تقتحم عينونا أهل الإيمان ، وإن رقَّ جانبهم ، و لا نحترم أهل الباطل بالنظر إلى باطلهم، و إن علت منازلهم ، كما لا نستهين بأهل الحقَّ، و إن هانت منازلهم ، خلاف ما عليه غيرنا من تعظيم الجبابرة ، و تكريم الظلمة ، و الخضوع الأعمى لأهل الباطل .
لقد شهرت أمتنا بهذا سلفاً و خلفاً ، و عرفت دعوتنا عند أهل الحق و أعلام الوفاء ، و بهذا كلفنا الله – عز و جل - و به أمرنا رسول الله – صلى الله عليه و سلم - .