العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٨٧و الذي أَرَاهُ أَنَّ كل ما نُسِبَ إلى علي بن أبي طالب مما يخالف قانون القرآن ، ويناقض المعقول هو منه بريء ، و إنما عُلِّق عليه ذلك من الغلاة في حُبِّه ، و الغلاة في بغضه ، و الرجل بعيد من ذلك كل البعد ، إذ لم يكن رجل دنيا ، و لا رغبة له فيها ، و إن كان له رغبة في القيام بالعدل فهذا شيء آخر ، فقد قيل أنَّه لم يزل يقول " يا بيضاء و يا صفراء غري غيري لا تغريني "(1) أي لا أغتر بك بعلمي بأنَّك الداء الدفين .
ولما ابتلى بالأمارة ، ابتلي فيها بأناس ظاهرهم معه ، و باطنهم عليه ، و ما قاتله معاوية إلا لأجل الدنيا ، لعلمه أنَّ السواد الأعظم لا يرغبون فيه ، وقد نجح معاوية في صدده ، و مضى علي على وجهه غير راضٍ بالخداع ، و المكر ، و الدهاء ، و لعلم معاوية أن علياً غير تاركه على إمارته ، فلم يزل يلتمس له المداخل ، التي سيرمى منها علياً بدهائه ، و هذا هو الواضح من حاله ، و لا خبرة له بحيل معاوية ، و ما يحاوله من أمر الدنيا ، [135] و الذي يظهر من قتله أهل النهروان أن معرَّة الجيش كونت الحيلة لذلك ، إذ سار إليهم في حال أمن و رضى ؛ لقصد التفاهم معهم ، فتقدم أهل السوء الذين اشتد حسدهم و بغضهم لأولئك الذين يخافون استفحال خطبهم ، و قيام أمرهم ، فيشنون عليهم الحرب .
و عندما وصل الإمام رأى المعركة تدور رحاها ، و لا يدري على أي أساس وقع ، و حينئذ لا يملك هو من الأمر شيئاً ، حتى قضى على القوم ، فهذا الذي أظنه من حال علي بن أبي طالب ، و قد تعلق خصومه بظاهر الحال أنَّه هو الإمام ، و ما يفعله جيشه فهو الفاعل له إذ هو السائل و المسئول .
و كم وقع مثل هذا في جيوش المسلمين و في جيوش أهل العدل ، و انظر قوله – صلى الله عليه و سلم – " هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ
(1) أخرجه الطبراني في الاوسط (4/364) رقم 3934 أنظر في فضائل الصحابه (1/531 و 884 ) .