العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٠أَمَّا إذا قال إنِّي لم أفعل ذلك ، أو ما فعلت ، أو ليس لي ذلك الفعل ، أو ليس لي ما قلت ، أو خَطَّأَ قوله ، فهذا عند المسلمين لا يُعَدُّ رجوعاً و توبة ، لكنه لا يحكم عليه بقتلٍ ، و طعنٍ " أي لا يُحْكَمُ عليه بِحُكْمِ الطاعن بذالك " و كذلك إَنْ قبَّحَ فعله ، بل يُحْكَمُ عليه بِحُكْمِ الطعن و القتل في قول بعض المسلمين .
أَمَّا إذا تكلم بطعن قاصداً به التقية لنفسه فلا يقتل بذلك ، و كذا إِنْ فعله تقية لِمالِهِ حيث يَتْلَفُ بِتَلَفِ ماله ، أو ما يَجُرُّ إلى التلف ، و كذلك كل ما يؤدي إلى تلف عضو من أعضاءه ، و قيل له يتقي حتى من ضربةٍ موجعةٍ ، و تُسَوَّغ له التقية بذلك الطعن إِنْ عُلمت منه التقية أو ظُنَّت ، سواء قال أو لم يقل إنِّي فعلت ، أو قلتُ بتقية .
قال القطب - رحمه الله - : " لكنَّه على كل حال إِنْ عُلمت منه التقية ، أو ظُنَّت فلا يعاقب ، و لا يضرب ، و لا لَوْم [16] عليه ؛ لأنَّه يجوز له أَنْ يقول ، أو يفعل ما هو طعن تقيةً "(1).
قلتُ : صَحَّ ذلك بالنص في القرآن الكريم قوله " إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً "(2)فيتقي الإنسان لكل ما يؤدي إلى تلف نفسه ، و لو بأخذ زاده ، و لباسه ،و مركوبه و نحو ذلك ، إذا كان يؤدي أخذ ذلك إلى تلف نفسه " و ليس على نفسه بأمين من لا يتقي عنها ضرب سوطين "(3) كما في الصحيح ، فيقول إنِّي ألعن ، أو أقدح ، أو أطعن ، أو طعنت في كذا و كذا ،لقصد التقية ، و هو في نفسه على منهج الإيمان " إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ "(4) فهذا من يسر الدين الذي منَّ الله به على عباده المخلصين .
(1) شرح النيل ( 17 / 636 ) .
(2) آل عمران : 28 .
(3) انظر بمعناه الجامع الصحيح للإمام الربيع الجزء الثالث منه ، ص301 ، رقم 765 .
(4) النحل : 106 .