العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢١" و تسوغ التقية إن عُلمت منه ، أو ظُنَّت ، أو قال فعلته ، أي فعلت الطعن بها أي بالتقية _ و المعنى لأجلها _ ولو حيث لا تجوز له ، كخوفٍ على ماله ، أو على غيره أي على نفس الغير من الناس ، و يُبْرَأُ منه بذلك؛ لأَنَّ المسلمين لا يَرَوْنَ التقية في الأموال ؛ لأَنَّّ المال يُتَّقَى بِهِ لا يُتَّقَى لَهُ"(1) .
فقد صَحَّ عن المسلمين قولهم :" في المال لا في الحال ، و في الحال لا في الدين " ؛ لأَنَّ المال أهَوْنُ من الحال ، و الحال أَهَوْنُ من الدِّين ، إلا مَنْ كان مطمئناً بالإيمان ، ويشير إلى ذلك قول القائل:-
يَهُونُ عَلَينَا أَنْ تُصَابَ جُسُومُنَا و تَسْلَمَ أََعْرَاضٌ لنا وعُقُولُ(2)
فإن إصابة النفس في نظر كرام الرجال أهون من نقص في أعراضهم ، أو عقولهم .
و الطعن في الدين أمره كبير ، فإِنَّه طعن في الحق ، و طعن في الحق طعن في رب السماوات والأرض ؛ فإِنَّه هو الحق ، و طعن فيه يجمع الكفر كله ، و العياذ بالله من ذلك .
قال صاحب النيل - رحمه الله تعالى - : " و إِنْ كَتَبَ بيده ما هو طعن بلسانه ففي كونه طعن قولان " (3)؛ لأَنَّ الكتابة دون النطق بالمكتوب ، و دون تحريك اللسان به ؛ ذلك لأَنَّ اللسان هو طريق الكفر و الإيمان ، و لذلك ساغ الاختلاف في الكتابة ، [17] ككاتب طلاق زوجته ، و لم يقرأه ، ولم يجرِ به لسانه ، و لم تسمعه أذنه .
(1) شرح النيل ( 17 / 636 ) .
(2) قائل البيت المتنبي من قصيدة مطلعها :
ليالي بَعْدَ الظاعنين شكول طوال و ليل العاشقين طويلُ
يُبِنَّ لي البدر الذي لا أُريدُهُ و يُخْفين بدراً ما إليه سبيلُ
( شرح ديوان المتنبي لبعد الرحمن البرقوقي ( 3/ 230 ) .
(3) شرح النيل ( 17 / 637 ) .