العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧فانظروا معاشر المسلمين ، على الأقل أما كان الأولى حمل القضية على الوجه اللائق بها ، من حملها على مخالفة السنة ، و رمي خيار الأمة بمثل هذا اللمز الذي يتألم منه من كان في قلبه ذرة من إيمان ، و لكن قومنا تجاسروا على مثل هذا الحال، و ضللوا من شاءوا و لو كان محقاً ، و أيدوا من شاءوا ولو كان مبطلاً ،وعلىذلك تحقق أن الغاية من هذا الهوى المطاع ، والله على لسان كل ناطق ، و هو ولي التوفيق .[154]
[ المقام الخامس ]
طاعة الجبابرة تمنع من سلوك طريق الآخرة
هذا العنوان يدل على أنَّ الشارح يرى أنَّ طاعة الجبابرة ضلال ، والضلال ينافي الحق ، و أمراء الظلم بلاء على الأمة ، إن أطاعتهم أضرت بدينها ، و إن خالفتهم أضرت بدنياها ، وهما أمران أحلاهما مر ، قال – رحمه الله– :
23- و حيثُ أنَّ أمراءَ الظُّلمِ تَملَّكوا بعسفِهِم و الغَشْمِ
24- قالَ المخالفُوْنَ إنَّ الطاعةْ لهم علينا حَدَّ الاستطاعةْ
25- فهدَمُوا بذلكَ الإسلاما وضيَّعوا الحدودَ والأَحكَاما
26- فهم ملوكٌ يتَفاخرونَا بالشهواتِ يتَكاثرونَا
27- كمثلِ قيصر ومثلِ كسرى و دينهم مُطَّرحٌ لا يُدرى
28- فاندرستْ بطاعةِ الضُلَّالِ سيرةُ أهلِ الحقِ و الكمالِ
[الشرح ]
اعلم أنَّ أمراء الظلم ، و زعماء الضلال ، و ملوك الغطرسة ، و قادة الكفر الذين سيطروا على الأمة بعسفهم ، و يتملكون الأمور بغشمهم ، و لا يراعون واجب الحق ، و لا يعرفوا ما يحل و ما يحرم ، ملئت الغطرسة قلوبهم ، و شمخت بالكبر أنوفهم ، فهم الذين لا يبالون بأوامر الله مهما كانت ، كمثل الحجاج و أضرابه ، و معاوية وأترابه ، و عبدالملك بن مروان ، و السفاح وأمثالهم ، و كسرى وقيصر ، و الجلندى الذي يأخذ كل سفينة غصبا ، و التبابعة و قوادهم ممن يتسمون باسم الملوك ، و يصفون أنفسهم بالعدالة ، و هم بعيدون منها بعداً محسوساً ومعقولاً ، وإن ادعوا ، و الدعاوى ما لم [155] تقيموا عليها بينات ، أبناؤها أدعياء .