العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨و عند هذا الحال قال علماء قومنا بوجوب طاعة هؤلاء الأمراء الذين هذه صفتهم ، و لا يجوز الخروج عليهم ، و لا الاعتراض ، متعلقين بحديث " إن أحسنوا فعليكم الشكر ، و إن أساءوا فعليكم الصبر " و لم يقل بهذا صحابة رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فيمن قام بواجب الدين ، وفتح الفتوح ، و أجل قدر الإسلام ، الذي عنده على الأقل ديانة وشريعة ، ويبيت على محرابه متعبداً ، حين انحرف عن الخطة الشرعية في بعض المواد ، تنادوا عليه من شرق البلاد و غربها ، حتى حصروه في بيته ، وقتلوه بين ظهراني الأمة ، و لم يقولوا كما يقول قومنا ، اللهم إلا إذا كانوا لا يرون لهم ذلك ، و لكنهم كانوا هم الحجة في الدين ، و لذا لم يعارضهم في ذلك معارض ، و لا قام ضدهم قائم من المسلمين ، و الأحاديث التي جاءت من وراءهم لا يلتفت إليها .
و لما قالوا تلك المقالة نطيعهم حد الطاعة ، و لا نرى الخروج عليهم لأحاديث يروونها فيهم ، تجاسر أولئك العتاة الظلمة ، و حكموا أهواءهم ، و تحكموا فيما يشتهون حيث لم يروا لهم معارضاً ، و لا لأعمالهم معترضاً ، فتركوا حدود الله مضاعة ، و حُرُم الدين مهتوكة ، و حقوق الدين غير منظور إليها ، و لا قيمة لأهلها ، و لا رعاية لواجباتها مطلقاً .[156]
و اعلم أنَّا قدمنا فيما سبق أنَّ أمراء الظلم كل من تولى أمراً من أمر المسلمين ، ولم يسر فيه سيرة المؤمنين ، و لا نهج به مناهج الخلفاء الراشدين ، و أول من سار في المسلمين بسيرة الجورة الظالمين بنوا أمية ، و أولهم عثمان بن عفان حيث ولاه المسلمون على أمرهم ، و حكموه على أنفسهم ، و قاموا معه قيامهم مع صاحبيه ، حتى غير ، و بدل ، و كان عليه من المسلمين ما علم .