العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢١٠ولو مشت على منهاج العدالة ، وأخذت بيد المساواة ، و لم تغلب عليها الشهوات لم يتسلط عليهم أحد من الناس ، فإن الله مع الحق أين كان ، " وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً "(1) ، وتتابعوا على ذلك خليفة إثر خليفة ، و أميراً إثر أمير ، و الكل بغاة عتاة خلعوا سربال الحق ، و رفضوا دعوة الدين ، حتى انقضت أيامهم المظلمة بجورهم .
ثمَّ خلفهم بنو العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، ذراري البحر ، حبر الأمة ، و ترجمان القرآن ، إمام العلماء ، و سيد النجباء ، و عمدة أهل الإيمان في الدين ، و ابن عم النبي – صلى الله عليه و سلم - -رضي الله [158] عنهما – .
تبعوا بني أمية ، ساروا بسيرتهم الجائرة ، وأخذوا مأخذهم ، ففضلوا أن يكونوا ملوك تستعبدهم شهواتهم ، و تمتلكهم لذاتهم ، تمذهبوا بمذهب كسرى و قيصر ، ولم يتمذهبوا بمذهب أبي بكر الصديق ، و لا بمذهب عمر الفاروق ، لأنَّ هذين و مَن ذهب مذهبهما بعيدون عن الرفاهة ، والترف ، و عن الخلاعة و السفاهة ، فكان كسرى وقيصر يخافانهما ، ويرهبان من ذكر اسميهما ، و من جاء بعدهما ، و تحكمت عليه الأهواء ، و لعبت به الشهوات أصبح يجذب من على كرسيه إلى الأرض و هو يقول خليفة المسلمين ، حتى انتهى الأمر إلى غير شيء يذكر .
فكم وقع في بني العباس من المخازي التي يسود منها وجه التاريخ ، اختاروا أن يكونوا ملوكاً يتفاخرون بالشهوات ، و يتسارعون إلى معاقرة اللذات ، لا يبالون بما يلقون ، و لا يتحرجون مما يفعلون ، حتى اسود وجه الحق بظلمهم ، و فر داعي الرشاد من أرضهم ، و جمح بهم شيطان الهوى عن سيرة المسلمين ، غير آخذين من إيمان العباس بحبل متين ، و لا مهتدين بهدى عبدالله الحبر الأمين ، الأب الثاني – رضي الله عنهما - .
(1) الأنفال : 42 .