العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠و اعلم أنَّ قيصر علم على كل من ملك الروم ، و كسرى علم على كل من ملك على الفرس ، كما أن اسم تبع علم على كل من ملك على اليمن ، و الجلندى اسم لكل من ملك عمان ، و مضى بذلك عهد في الجاهلية على هذا الحال .
و لا يخفى أنَّ الملوك لهم مذاهب ، وعادات ، و أخلاق خاصة بهم ، و لا ريب فإنَّ الشهوات تتحكم عليهم ، و رغبات النفوس [169] تستولى على قلوبهم ، و على كل حال لا يتقيدون بدين في سبيل رغباتهم ، فلذلك مثل بهم شيخنا الإمام الناظم - رحمه الله– حيث قال :
كمثل قيصر و مثل كسرى … إلخ
و فيه التنديد بهم ، أي هم ملوك يتفاخرون بالشهوات ، ويتباهون غالباً بالمستلذات و المشتهيات ، و تلك سنتهم إلا ما شاء الله جاهلية و إسلاماً .
و بسبب طاعة الناس للملوك الذين هذه أحوالهم اندرست طاعة الله باندراس أهل الحق ، و اختفت معالم الحق و مناهج العدل ، و انمحت رسوم الإيمان ، و مال الناس في الشهوات ، و تنافسوا في المشتهيات إلى حد بعيد ، فنشطت سوق الباطل و راجت بضاعة الفساد ، و خارت معالم الإيمان ، و ظهر بذلك صدق قول رسول الله – صلى الله عليه و سلم – " الناس على دين ملوكهم " .
وهذا أمر تشهد به العادة في كل الأمم ، و يعرفه الناس في كل زمان ، و لا ريب إذا عدل السلطان استقامت الأعوان ، و إذا اشتد الأمر بلغت الشدة كل مأمور ، و إذا لأنَّ الزعيم تأثر بلينه من معه ، و هكذا .
و أشار الإمام صاحب هذا النظام إلى الملوك الأمويين و الملوك العباسيين الذين تولوا الخلافة بعد الخلفاء الراشدين ، فإنَّ الملك العضوض الذي أشار إليه رسول الله – صلى الله عليه و آله و سلم – نشأ بهم ، و تغلل في الخلف بعدهم ، و سار بذلك التابعون لأثرهم ، تاركين لسيرة رسول [170] الله – صلى الله عليه و آله وسلم – أخذين بسيرة من سلفوا من آبائهم و أجدادهم .