العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠قلت : ألا تكفي هذه القضية دليل على جور عثمان ؟ و انظر بينها و بين ما يقول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – :" رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا " ، فإن عماراً من خيار الصحابة ، و زهادهم ، و أهل الوفاء فيهم ، و الرسول – صلى الله عليه و سلم – فيه " رحم الله عمارا تقتله الفئة الباغية " و انظر إلى تنقص مروان بن الحكم لعمار – رضي الله عنه – و مروان من شرار بني أمية ، و انظر في ضربهم له حتى فتقوا بطنه ، على أي جرم فعله ؟ لا و رب الكعبة لم يفعل شيء ينكر ، بل أحب عثمان أن يكون كما قال الله عز و جل " وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ "(1) و أحب عمار – رحمه الله– أن يكون كما قال – صلى الله عليه و آله وسلم – " أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عن سلطان جائر … " الحديث .
قال ابن قتيبة " و غضب فيه " أي في عمار " بنو المغيرة و كان حليفهم ، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر ، عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة ، فقال له : و الله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجل عظيماً من بني أمية ، قال : فسمعه عثمان فقال : لست هناك ، قال : ثم خرج عثمان إلى المسجد ، فإذا هو بعلي بن أبي طالب و هو شاك معصوب الرأس ، فقال له عثمان : و الله يا أبى الحسن ما أدري أشتهى موتك أم أشتهى حياتك ؟ فوالله لئن مت ما أحب البقاء بعدك أو قال ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك لأني لا أجد منك خلفاً لي ، و لا بقيت لا أعدم طاغياً يتخذك سلماً و عضداً ، و يعدك كهفاً و ملتجأ لا يمنعنى منه إلا مكانه منك [192] ، و مكانك منه ، فأنا منك كالابن العاق من أبيه ، إن مات فجعه ، و إن عاش عقه ، فأما سلم فنسالم ، و أما حرب فنحارب ، فلا تجعلني بين السماء والأرض ، فإنك و الله إن قتلتني لا تجد مني خلفاً ، و لئن قتلتك لا أجد منك خلفاً، و لن يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة " .
(1) الشعراء : 130 .