العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢و الواضح أن قلوب صحابة رسول الله – صلى الله عليه و آله و سلم – كلها حانقة على عثمان ، و على ما يصدر منه ، و كأنهم كلهم آيسون من رجوعه ، و إنما هي مغالطات يغالطهم بها ، و ذلك من سوء حظه الدنيوي و الأخروي ، فإن الخلق شهود الله في أرضه ، فمن أثنوا عليه خيراً كان أهل للخير ، و إن أثنوا على أحد بشر كان أهل للشر ، و بذلك تكون أحوال عثمان على نمط سيء ، ثم يخلف بعده أسوأ منه من الأحاديث ، و كان الرسول – صلى الله عليه و سلم – يستعيذ من سوء الأحدوثة .
قال " و لما اشتد الطعن على عثمان استأذنه على بن أبي طالب في بعض بواديه التي ينتحي إليها فأذن له ، و اشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي ، و لعله أصبح حديث الناس و أقصوصة السمر ، و لعلمهم لما رأوا عليا خرج آيساً من عثمان ، و رجا الزبير بن العوام و طلحة بن عبيدالله أن يُميلا إليهما قلوب الناس ويغلبا عليهم قائلاً له أما بعد … ، و اغتنما غيبة علي ، فكتب عثمان إلى علي يستصرخه فقد بلغ السيل الزبى ، و جاوز الحزام الطبيين ،و ارتفع أمر الناس [194] في شأني فوق قدره ، و زعموا أنهم لا يرضون دون دمي ، و طمع فيمن لا يدافع عن نفسه بهذا و أمثاله.
يعلم العاقل منزلة عثمان من قلوب إخوانه المسلمين ، و يدرك أن عثمان وقع في ورطة تبعده عن منصبه ، كان السبب في وجودها ، حيث جنى على منصبه جناية كبرى ، و لو سار بسيرة صاحبيه لنال منزلتهما ، و علا قدر على أمته ، و لكن حرم التوفيق فوقع في المضيق .
و لما أفضى الحال بعثمان إلى هذا الحد من حنق المسلمين عليه ، و رفضهم إياه ، و ما ذلك إلا لأحداثه ، و سوء الأحدوثة من ورائه ، ألبسه لباس البغضاء ، و أشاع له في الناس كراهية ، فإن الله عز و جل إذا أحب عبداً وضع له الحب في قلوب عباده ، كما صرح بذلك الحديث ، و بضده إذا أبغضه الله ، نسأل الله أن يمنحنا حبه لنا و رضه عنا .