العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨و من هنا سقط عرش علي ، و هو معه ، ولم يقم حتى انتهى أمره إلى الحضيض، و عاش آله عيش المريض ، فما كان إلا انقياد ولده الحسن لمعاوية ، ملقياً إليه الأمر كله غير ناوٍ إلا ذلك ، و لا همت له إلا كفاف معاوية ، و وفاءه له بما شرطه عليه ليتمتع به ، فكان جزائه جزاء سنمار ، فإنه لم يف بشيء من ذلك كله ، بل قضى عليه أيضاً ، فانتهى أمر علي و آله بمعاوية بن أبي سفيان ، ذلك البطل الداهية الذي رام الملك بكل وسيلة فأدركه ، و إذا هو خيال أو أشبه بالحلم ، و عند الله الحكم بين العباد ، و إليه الحساب على مثقالي الذر في الخير و الشر ، نسأل الله السلام في الدين و الدنيا .
فإنه لما قتل علي بن أبي طالب قال ابن قتيبة " ثار الناس إلى الحسن بن علي " أي لما يأملون فيه من الأهلية فإنه ابن الإمام علي ، و ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله – صلى الله عليه و سلم - ، و لكن ليس الإمارة بالأنساب ، و لا هي بنت أحد ، و لا الكفاءة بالأصهار ، فقد كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم وآله – يولي أناس بعداء الأنساب و يترك [201] ، و كذلك أبو بكر – رضي الله عنه – ، و كذلك عمر – رحمه اللهورضي عنه - .
قال ابن قتيبة " و لما بايعوه " يعني الحسن بن علي " قال لهم : تبايعوني على السمع و الطاعة ، و تحاربون من حاربت ، و تسالمون من سالمت ، فلما سمعوا ذلك ارتابوا ، و أمسكوا أيديهم ، و قبض هو يده ، و أتوا الحسين أخاه ، فقالوا له : ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك ، و على حرب المحلين الضالين أهل الشام ، فقال الحسين : معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً " أي لأن الحسن كان أكبر من الحسين ؛ فلذاك هو يريد تقديم الحسن ، و هذا غلط لأن المراتب الدينية ليس بالسن ، فإن الله عز و جل يقول لنا في كتابه " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"(1) فلم يعتبر السن ، و كذلك المعقول و هذا أمر مسلم بديهة .
(1) الحجرات : 13 .